الآية الحية

شاهد الآية بطبقات تفاعلية: الجذور، الأوزان، الإعراب، التجويد، والتفسير. اضغط على أي كلمة لتظهر أسرارها.

سورة النِّسَاء آية 105 جزء 5 صفحة 95 التفاصيل القديمة

التفسير

[سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 109]
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109)
قَوْلُهُ: بِما أَراكَ اللَّهُ إِمَّا بِوَحْيٍ، أَوْ بِمَا هُوَ جَارٍ عَلَى سُنَنِ مَا قَدْ أَوْحَى الله به، وليس المراد هنا
__________
(1) . آل عمران: 140.
(2) . نوح: 13.
(1/589)

رُؤْيَةُ الْعَيْنِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُرَى، بَلِ الْمُرَادُ: بِمَا عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ وَأَرْشَدَهُ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ أَيْ: لِأَجْلِ الْخَائِنِينَ، خَصِيمًا: أَيْ: مُخَاصِمًا عَنْهُمْ، مُجَادِلًا لِلْمُحِقِّينَ بِسَبَبِهِمْ. وَفِيهِ دَلِيلٌ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُحِقٌّ. قَوْلُهُ: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ أَمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ الْمَعْنَى: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِنْ ذَنْبِكَ فِي خِصَامِكَ لِلْخَائِنِينَ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأَجْلِهِ الْآيَةُ، وَبِهِ يَتَّضِحُ الْمُرَادُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّتِكَ، وَالْمُخَاصِمِينَ بِالْبَاطِلِ. قَوْلُهُ: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
أَيْ: لَا تُحَاجِجْ عَنِ الَّذِينَ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَالْمُجَادَلَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَدَلِ، وَهُوَ الْفَتْلُ وَقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَدَالَةِ، وَهِيَ وَجْهُ الْأَرْضِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ يُرِيدُ أَنْ يُلْقِيَ صَاحِبَهُ عَلَيْهَا، وَسُمِّيَ ذَلِكَ: خِيَانَةً لِأَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّ ضَرَرَ مَعْصِيَتِهِمْ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ. وَالْخَوَّانُ: كَثِيرُ الْخِيَانَةِ، وَالْأَثِيمُ: كَثِيرُ الْإِثْمِ، وَعَدَمُ الْمَحَبَّةِ: كِنَايَةٌ عَنِ الْبُغْضِ. قَوْلُهُ: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
أَيْ:
يَسْتَتِرُونَ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ أي: مستتر وقيل: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ: أَيْ لَا يَسْتَتِرُونَ مِنْهُ، أَوْ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْهُ وَالْحَالُ أَنَّهُ مَعَهُمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ، عَالِمٌ بِمَا هُمْ فِيهِ، فَكَيْفَ يَسْتَخْفُونَ مِنْهُ؟ إِذْ يُبَيِّتُونَ
أَيْ: يُدِيرُونَ الرَّأْيَ بَيْنَهُمْ، وَسَمَّاهُ: تَبْيِيتًا لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ تَكُونَ إِدَارَةُ الرَّأْيِ بِاللَّيْلِ مَا لَا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
أَيْ: مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي أَدَارُوهُ بَيْنَهُمْ، وَسَمَّاهُ: قَوْلًا، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْمُقَاوَلَةِ بَيْنَهُمْ. قَوْلُهُ: هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ
يَعْنِي: الْقَوْمَ الَّذِينَ جَادَلُوا عَنْ صَاحِبِهِمُ السَّارِقِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أُولَاءِ بِمَعْنَى الَّذِينَ وجادَلْتُمْ
بِمَعْنَى حَاجَجْتُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيْ: فَمَنْ يُخَاصِمُ وَيُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ تَعْذِيبِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ؟ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
أَيْ: مُجَادِلًا وَمُخَاصِمًا، وَالْوَكِيلُ فِي الْأَصْلِ: الْقَائِمُ بِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ. وَالْمَعْنَى: مَنْ ذَاكَ يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ إِذَا أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَّا يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو أُبَيْرِقٍ بِشْرٌ وَبُشَيْرٌ وَمُبَشِّرٌ، وَكَانَ بِشْرٌ رَجُلًا مُنَافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ، يَهْجُو بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضُ الْعَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ فُلَانٌ: كَذَا وَكَذَا فَإِذَا سَمِعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الشِّعْرَ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَقُولُ هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال:
أو كلّما قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَةً ... أَصْمُوا فَقَالُوا «1» ابْنُ الْأُبَيْرِقِ قَالَهَا
قَالَ: وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَكَانَ النَّاسُ إِنَّمَا طَعَامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ لَهُ يَسَارٌ فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ «2» ، أَيْ: حَمُولَةٌ مِنَ الشام من الدرمك «3» ابتاع الرجل منها
__________
(1) . في القرطبي (5/ 376) : نحلت وقالوا ...
(2) . الضافط: الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن.
(3) . الدرمك: الدقيق الحوّارى. [.....]
(1/590)

فخصّ بها نَفْسَهُ، وَأَمَّا الْعِيَالُ فَإِنَّمَا طَعَامُهُمُ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ الشَّامِ، فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بن رافع جملا مِنَ الدَّرْمَكِ، فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ «1» ، وَفِي الْمَشْرَبَةِ سِلَاحٌ لَهُ دِرْعَانِ وَسَيْفَاهُمَا وَمَا يُصْلِحُهُمَا، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنُقِبَتِ الْمَشْرَبَةُ، وَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلَاحُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فقال: يا ابن أَخِي! تَعَلَمُ أَنْ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنَا، فَذَهَبَ بِطَعَامِنَا وَسِلَاحِنَا، قَالَ: فَتَحَسَّسْنَا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا، فَقِيلَ لَنَا: قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا نَارًا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَلَا نَرَى فِيمَا نَرَى إِلَّا على بعض طعامكم، وَكَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قَالُوا وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ: وَاللَّهِ مَا نُرَى صَاحِبُكُمْ إِلَّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنَّا لَهُ صَلَاحٌ وَإِسْلَامٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيَدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بني أبيرق وقال: أنا أسرق؟ فو الله لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالوا: إليك عنا أيها الرجل! فو الله مَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حَتَّى لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا، فَقَالَ لِي عَمِّي: يا ابن أخي أو أتيت رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلَ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا، وَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَأَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ قَتَادَةَ بن النعمان وعمه عمدوا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ، قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمْتُهُ فَقَالَ: عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ؟ قَالَ قَتَادَةُ:
فَرَجِعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أكلم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، فَأَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ لِي: يَا بن أَخِي! مَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً بَنِي أُبَيْرِقٍ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ أَيْ: مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
أي: لو استغفروا لهم وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً
إِلَى قَوْلِهِ: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
قَوْلُهُمْ لِلَبِيدٍ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ
يَعْنِي: أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسِّلَاحِ فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ قَالَ قَتَادَةُ: فَلَمَّا أَتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلَاحِ وَكَانَ شَيْخًا قَدْ غُشِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَيْ: كَبُرَ، وَكُنْتُ أَرَى إِسْلَامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ بِالسِّلَاحِ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ صَحِيحًا، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى إلى قوله: ضَلالًا بَعِيداً «2» فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ رَمَاهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ بِأَبْيَاتٍ مِنْ شِعْرٍ، فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ فِي الْأَبْطُحِ، ثُمَّ قَالَتْ: أَهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسَّانَ؟ مَا كُنْتُ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حديث غريب، لا
__________
(1) . المشربة: بفتح الراء وضمها: الغرفة.
(2) . النساء: 115- 116.
(1/591)

وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)
نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيِّ. وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ مُرْسَلًا، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ الْحَرَّانِيِّ عَنْ محمد بن سلمة به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، يعني:
الصَّانِعِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ، وَالْحَسَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذَا الْحَدِيثَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أبي العباس الأصم، عن أحمد ابن عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِمَعْنَاهُ أَتَمَّ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: غَدَا بُشَيْرٌ، فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُخْتَصَرَةٌ وَمُطَوَّلَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ من التابعين.

الإعراب الكامل

إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ : فعل ماض وفاعله ومفعوله وإليك متعلقان بالفعل
بِالْحَقِّ : متعلقان بمحذوف حال من الكتاب والجملة في محل رفع خبر إن ونا اسمها٫
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ : مضارع منصوب بأن وفاعله مستتر المضمرة بعد لام التعليل وفاعله مستتر والمصدر المؤول في محل جر بحرف الجر والجار والمجرور متعلقان بأنزلنا وظرف المكان بين تعلق بالفعل قبله
بِما أَراكَ اللَّهُ : فعل ماض ومفعول به ولفظ الجلالة فاعله والجملة صلة الموصول ما قبلها ، والجار والمجرور بما متعلقان بالفعل قبلهما
تحكم :
وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً : فعل مضارع ناقص مجزوم بلا واسمها ضمير مستتر تقديره أنت والجار والمجرور متعلقان بالخبر خصيما بعدهما والجملة معطوفة٫

أحكام التجويد

المدود - الجائز المنفصل — إنا أنزلنا
النون الساكنة والتنوين - إخفاء — أنزلنا
اللام - إظهار — أنزلنا
المدود - الجائز المنفصل — أنزلنا إليك
اللام - إظهار — إليك
المدود - المد الطبيعي — الكتاب
القلقلة - قلقلة كبرى — بالحق
اللام - إظهار — بالحق لتحكم
اللام - إدغام — بين الناس
المدود - المد الطبيعي — الناس
الراء - تفخيم — أراك
المدود - المد الطبيعي — أراك
اللام - إدغام — أراك الله
المدود - مد الصلة الصغرى — الله ولا
النون الساكنة والتنوين - إدغام — تكن للخائنين
المدود - المد الطبيعي — للخائنين
المدود - الواجب المتصل — للخائنين
المدود - المد الطبيعي — خصيما