الآية الحية

شاهد الآية بطبقات تفاعلية: الجذور، الأوزان، الإعراب، التجويد، والتفسير. اضغط على أي كلمة لتظهر أسرارها.

سورة النِّسَاء آية 60 جزء 5 صفحة 88 التفاصيل القديمة

التفسير

[سورة النساء (4) : الآيات 60 الى 65]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (62) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64)
فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65)
قَوْلُهُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ حَالِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- وَهُوَ الْقُرْآنُ- وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مَنْ قبله من الأنبياء، فجاؤوا بِمَا يَنْقُضُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَيُبْطِلُهَا مِنْ أَصْلِهَا، وَيُوَضِّحُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا، وَهُوَ إِرَادَتُهُمُ التَّحَاكُمُ إِلَى الطَّاغُوتِ، وَقَدْ أُمِرُوا فِيمَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى مَنْ قَبْلَهُ، أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَبِهِ يَتَّضِحُ مَعْنَاهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطَّاغُوتِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي مَعْنَاهُ. قَوْلُهُ: وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ وَالْجُمْلَتَانِ مَسُوقَتَانِ لِبَيَانِ مَحَلِّ التَّعَجُّبِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَاذَا يَفْعَلُونَ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ كَذَا، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ كذا. وقوله: ضَلالًا مصدر لفعل الْمَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوَائِدِ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً «1» أَوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يضلهم فيضلون ضلالا. وَالصُّدُودُ: اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وَهُوَ الصَّدُّ عِنْدَ الْخَلِيلِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ: أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ، أَيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إِعْرَاضًا. قَوْلُهُ: فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بَيَانٌ لِعَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ وَمَا صَارَ إِلَيْهِ حَالُهُمْ، أَيْ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ؟
أَيْ: وَقْتَ إِصَابَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَعْجِزُونَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الدَّفْعِ. وَالْمُرَادُ: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا: التَّحَاكُمُ إِلَى الطَّاغُوتِ، ثُمَّ جاؤُكَ يَعْتَذِرُونَ عَنْ فِعْلِهِمْ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى أَصابَتْهُمْ وَقَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ حَالٌ: أَيْ: جَاءُوكَ حَالَ كَوْنِهِمْ حالفين إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً
__________
(1) . نوح: 17.
(1/557)

أَيْ: مَا أَرَدْنَا بِتَحَاكُمِنَا إِلَى غَيْرِكَ إِلَّا الْإِحْسَانَ لَا الْإِسَاءَةَ، وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ لَا الْمُخَالَفَةَ لَكَ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: مَعْنَاهُ: مَا أَرَدْنَا إِلَّا عَدْلًا وَحَقًّا، مِثْلَ قَوْلِهِ: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى «1» فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفَاقِ وَالْعَدَاوَةِ لِلْحَقِّ. قَالَ الزَّجَّاجُ:
مَعْنَاهُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أَيْ: عَنْ عِقَابِهِمْ، وَقِيلَ: عَنْ قَبُولِ اعْتِذَارِهِمْ وَعِظْهُمْ أَيْ: خَوِّفْهُمْ مِنَ النِّفَاقِ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَيْ: فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ:
قُلْ لَهُمْ خَالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ قَوْلًا بَلِيغاً أَيْ: بَالِغًا فِي وَعْظِهِمْ إِلَى الْمَقْصُودِ، مُؤَثِّرًا فِيهِمْ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَوَعَّدَهُمْ بِسَفْكِ دِمَائِهِمْ، وَسَبْيِ نِسَائِهِمْ، وَسَلْبِ أَمْوَالِهِمْ. وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ مِنْ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ إِلَّا لِيُطاعَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ بِعِلْمِهِ، وَقِيلَ: بِتَوْفِيقِهِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَرْكِ طَاعَتِكَ والتحاكم إلى غيرك جاؤُكَ مُتَوَسِّلِينَ إِلَيْكَ، مُتَنَصِّلِينَ عَنْ جِنَايَاتِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ، وَتَضَرَّعُوا إِلَيْكَ حَتَّى قُمْتَ شَفِيعًا لَهُمْ فَاسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ:
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ، لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ الرسول صلّى الله عليه وَسَلَّمَ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً أَيْ: كَثِيرَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ، وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ. قَوْلُهُ: فَلا وَرَبِّكَ قال ابن جرير: فَلا رَدٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ بِقَوْلِهِ: وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَقِيلَ: إِنَّهُ قَدَّمَ «لَا» عَلَى الْقَسَمِ اهْتِمَامًا بِالنَّفْيِ، وَإِظْهَارًا لِقُوَّتِهِ، ثُمَّ كَرَّرَهُ بَعْدَ الْقَسَمِ تَأْكِيدًا وَقِيلَ: لَا: مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الْقَسَمِ لَا لِتَأْكِيدِ مَعْنَى النَّفْيِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَوَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ «2» حَتَّى يُحَكِّمُوكَ أي: يجعلوك حَكَمًا بَيْنَهُمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، لَا يُحَكِّمُونَ أَحَدًا غَيْرَكَ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْكَ، وَلَا مُلْجِئَ لِذَلِكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أَيِ: اخْتَلَفَ بَيْنَهُمْ وَاخْتَلَطَ، وَمِنْهُ: الشَّجَرُ لِاخْتِلَافِ أَغْصَانِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ طُرْفَةَ:
وَهُمُ الْحُكَّامُ أَرْبَابُ الْهُدَى ... وَسُعَاةُ النَّاسِ فِي الْأَمْرِ الشَّجَرْ
أَيِ: الْمُخْتَلِفِ، وَمِنْهُ: تَشَاجُرُ الرِّمَاحِ، أَيْ: اخْتِلَافُهَا ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ قِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ يَنْسَاقُ إِلَيْهِ الْكَلَامُ، أَيْ: فَتَقْضِيَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا. وَالْحَرَجُ: الضِّيقُ: وَقِيلَ:
الشَّكُّ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ: حَرَجٌ، وَحَرِجَةٌ، وَجَمْعُهَا: حِرَاجٌ وَقِيلَ: الْحَرَجُ: الْإِثْمُ، أَيْ: لَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ إِثْمًا بِإِنْكَارِهِمْ مَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً أَيْ: يَنْقَادُوا لِأَمْرِكَ وَقَضَائِكَ انْقِيَادًا لَا يُخَالِفُونَهُ فِي شَيْءٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: تَسْلِيماً مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أَيْ: وَيُسَلَّمُونَ لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لَا يُدْخِلُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَكًّا وَلَا شُبْهَةً فِيهِ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ هَذَا شَامِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ من كُلِّ حُكْمٍ، كَمَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ فلا يختص بالمقصودين بقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وهذا في حياته صلّى الله عليه وسلم، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ: فَتَحْكِيمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَتَحْكِيمُ الْحَاكِمِ بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ إِذَا كَانَ لَا يَحْكُمُ بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا، وَكَانَ يَعْقِلُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ حُجَجِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وما يتعلق بها: من نحو، وتصريف،
__________
(1) . التوبة: 107.
(2) . الواقعة: 75.
(1/558)

ومعاني، وَبَيَانٍ، عَارِفًا بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ، بَصِيرًا بِالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، مُمَيِّزًا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ، وَالضَّعِيفِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ، مُنْصِفًا غَيْرَ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَلَا لِنِحْلَةٍ مِنَ النِّحَلِ. وَرِعًا لَا يَحِيفُ وَلَا يَمِيلُ فِي حُكْمِهِ، فَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ قَائِمٌ فِي مَقَامِ النُّبُوَّةِ، مُتَرْجَمٌ عَنْهَا، حَاكِمٌ بِأَحْكَامِهَا، وَفِي هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ: مَا تَقْشَعِرُّ لَهُ الْجُلُودُ، وَتَرْجُفُ لَهُ الْأَفْئِدَةُ. فَإِنَّهُ أَوَّلًا أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ، مُؤَكِّدًا لِهَذَا الْقَسَمِ بِحَرْفِ النَّفْيِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَنَفَى عَنْهُمُ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَالِ صَالِحِي عِبَادِ اللَّهِ، حَتَّى تَحْصُلَ لَهُمْ غَايَةٌ، هِيَ:
تَحْكِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ فَضَمَّ إِلَى التَّحْكِيمِ أَمْرًا آخَرَ، هُوَ عَدَمُ وُجُودِ حَرَجٍ، أَيْ حَرَجٍ، فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَكُونُ مُجَرَّدُ التَّحْكِيمِ وَالْإِذْعَانِ كَافِيًا حَتَّى يَكُونَ مِنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ عَنْ رِضًا، وَاطْمِئْنَانٍ، وَانْثِلَاجِ قَلْبٍ، وَطِيبِ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِهَذَا كُلِّهِ، بَلْ ضَمَّ إِلَيْهِ قَوْلَهُ: وَيُسَلِّمُوا أَيْ: يُذْعِنُوا وَيَنْقَادُوا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، بَلْ ضَمَّ إِلَيْهِ الْمَصْدَرَ الْمُؤَكِّدَ فَقَالَ: تَسْلِيماً فَلَا يَثْبُتُ الْإِيمَانُ لِعَبْدٍ حَتَّى يَقَعَ مِنْهُ هَذَا التَّحْكِيمُ، وَلَا يَجِدَ الْحَرَجَ فِي صَدْرِهِ بِمَا قُضِيَ عَلَيْهِ، وَيُسَلِّمُ لِحُكْمِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ، تَسْلِيمًا لَا يُخَالِطُهُ رَدٌّ وَلَا تَشُوبُهُ مُخَالَفَةٌ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: كان أبو بَرْزَةُ الْأَسْلَمِيُّ كَاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ الْيَهُودِ فِيمَا يَتَنَافَرُونَ فِيهِ، فَتَنَافَرَ إِلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ الْآيَةَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ قَالَ: كَانَ الْجُلَاسُ بْنُ الصَّامِتِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، وَمُعَقِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَرَافِعُ بْنُ زَيْدٍ، كَانُوا يَدَّعُونَ الْإِسْلَامَ، فَدَعَاهُمْ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي خُصُومَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْكُهَّانِ، حُكَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ قَالَ: الطَّاغُوتُ: رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ كَانَ يُقَالُ لَهُ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَكَانُوا إِذَا مَا دُعُوا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ قَالُوا: بَلْ نُحَاكِمُكُمْ إِلَى كَعْبٍ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الزُّبَيْرَ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مع النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ، وَكَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا النَّخْلَ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، وَاسْتَوْعَى «1» رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ: فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حاتم، وابن
__________
(1) . استوعى له حقه: أي استوفاه كله.
(1/559)

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)
مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ: أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ: أَنَّهُ اخْتَصَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ فَقَضَى بَيْنَهُمَا، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ، فَرَدَّهُمَا، فَقَتَلَ عُمَرُ الَّذِي قَالَ رُدَّنَا، وَنَزَلَتِ الْآيَةُ، فَأَهْدَرَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلّم دم المقتول. وأخرجه التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ مَكْحُولٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ كَانَ مُنَافِقًا، وَهُمَا مُرْسَلَانِ، وَالْقِصَّةُ غَرِيبَةٌ، وَابْنُ لَهِيعَةَ فيه ضعف.

الإعراب الكامل

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ : إعرابها كالآية (51 :
يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ : الجملة صلة الموصول وجملة
آمَنُوا : خبر أن والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي يزعمون
بِما : متعلقان بالفعل المجهول
أُنْزِلَ :
إِلَيْكَ : نائب فاعل
وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ : عطف على ما أنزل إليك
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا : فعل مضارع وفاعل والمصدر المؤول من أن والفعل مفعول به وجملة يريدون حالية
إِلَى الطَّاغُوتِ : متعلقان بيتحاكموا
وَقَدْ أُمِرُوا : فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعله قد حرف تحقيق والجملة في ٫٫٫ محل نصب حال
أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ : المصدر المؤول في محل جر بحرف الجر والجار والمجرور متعلقان بالفعل أمروا.
بِهِ : متعلقان بيكفروا٫
وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ : فعل مضارع وفاعل والمصدر المؤول مفعول به والجملة معطوفة
ضَلالًا : مفعول مطلق
بَعِيداً : صفة.

أحكام التجويد

اللام - إظهار — ألم
الميم الساكنة - إظهار شفوي — ألم تر
الراء - تفخيم — تر
اللام - إظهار — إلى
المدود - المد الطبيعي — الذين
المدود - المد الطبيعي — يزعمون
الميم الساكنة - إظهار شفوي — أنهم آمنوا
المدود - مد البدل — آمنوا
المدود - الجائز المنفصل — بما أنزل
النون الساكنة والتنوين - إخفاء — أنزل
النون الساكنة والتنوين - إخفاء — من قبلك
القلقلة - قلقلة صغرى — قبلك
المدود - المد الطبيعي — يريدون
النون الساكنة والتنوين - إدغام — أن يتحاكموا
النون الساكنة والتنوين - إدغام بغنة — أن يتحاكموا
المدود - المد الطبيعي — يتحاكموا
اللام - إدغام — إلى الطاغوت
القلقلة - قلقلة كبرى — الطاغوت
المدود - المد الطبيعي — الطاغوت
القلقلة - قلقلة صغرى — وقد
القلقلة - قلقلة وسطى — وقد أمروا
الراء - تفخيم — أمروا
المدود - مد الصلة الصغرى — به ويريد
اللام - إدغام — ويريد الشيطان
المدود - المد الطبيعي — الشيطان
المدود - المد الطبيعي — ضلالا