| # | الكلمة | المفردة | الجذر | الوزن | سابقة | لاحقة |
|---|---|---|---|---|---|---|
| 1 | يَسْأَلُونَكَ | يسأل | سأل | يفعل | ون ك | |
| 2 | مَاذَا | ماذا | ||||
| 3 | أُحِلَّ | أحل | حلل | أفعل | ||
| 4 | لَهُمْ | هم | ل | |||
| 5 | قُلْ | قل | قول | فل | ||
| 6 | أُحِلَّ | أحل | حلل | أفعل | ||
| 7 | لَكُمُ | كم | ل | |||
| 8 | الطَّيِّبَاتُ | طيب | طيب | فعل | ال | ات |
| 9 | وَمَا | ما | و | |||
| 10 | عَلَّمْتُمْ | علم | علم | فعل | تم | |
| 11 | مِنَ | من | ||||
| 12 | الْجَوَارِحِ | جوارح | جرح | فواعل | ال | |
| 13 | مُكَلِّبِينَ | مكلب | كلب | مفعل | ين | |
| 14 | تُعَلِّمُونَهُنَّ | تعلم | علم | تفعل | ون هن | |
| 15 | مِمَّا | ما | من | |||
| 16 | عَلَّمَكُمُ | علم | علم | فعل | كم | |
| 17 | اللَّهُ | الله | أله | فعل | ||
| 18 | فَكُلُوا | كل | أكل | عل | ف | وا |
| 19 | مِمَّا | ما | من | |||
| 20 | أَمْسَكْنَ | أمسك | مسك | أفعل | ن | |
| 21 | عَلَيْكُمْ | على | كم | |||
| 22 | وَاذْكُرُوا | اذكر | ذكر | إفعل | و | وا |
| 23 | اسْمَ | اسم | سمو | فعل | ||
| 24 | اللَّهِ | الله | أله | فعل | ||
| 25 | عَلَيْهِ | على | ه | |||
| 26 | وَاتَّقُوا | اتق | وقي | إتع | و | وا |
| 27 | اللَّهَ | الله | أله | فعل | ||
| 28 | إِنَّ | |||||
| 29 | اللَّهَ | الله | أله | فعل | ||
| 30 | سَرِيعُ | سريع | سرع | فعيل | ||
| 31 | الْحِسَابِ | حساب | حسب | فعال | ال |
[سورة المائدة (5) : الآيات 4 الى 5]
يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5)
(2/15)
هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ بَيَانِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ. قَوْلُهُ:
مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ أَيُّ شَيْءٍ أُحِلَّ لَهُمْ؟ أَوْ مَا الَّذِي أُحِلَّ لَهُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ إِجْمَالًا وَمِنَ الصَّيْدِ وَمِنْ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنْ نِسَائِهِمْ؟ قَوْلُهُ: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ هِيَ مَا يَسْتَلِذُّهُ آكِلُهُ وَيَسْتَطِيبُهُ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَقِيلَ: هِيَ الْحَلَالُ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا وَقِيلَ: الطَّيِّبَاتُ: الذَّبَائِحُ لِأَنَّهَا طَابَتْ بِالتَّذْكِيَةِ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعَامِّ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، وَالسَّبَبُ وَالسِّيَاقُ لَا يَصْلُحَانِ لِذَلِكَ. قَوْلُهُ: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ هو مَعْطُوفٌ عَلَى الطَّيِّبَاتِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ لِتَصْحِيحِ الْمَعْنَى: أَيْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَّمْتُمْ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ: أَيْ عُلِّمْتُمْ مِنْ أَمْرِ الْجَوَارِحِ وَالصَّيْدِ بِهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ مَنْ صَنَّفَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ تَنَاوَلَتْ مَا عَلَّمْنَا مِنَ الْجَوَارِحِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْكَلْبَ وَسَائِرَ جَوَارِحِ الطَّيْرِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ إِبَاحَةَ سَائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْكَلْبِ وَالْجَوَارِحِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا بِسَائِرِ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ: وَهُوَ الْأَكْلُ مِنَ الْجَوَارِحِ.
أَيِ الْكَوَاسِبُ مِنَ الْكِلَابِ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ. قَالَ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَسْوَدَ، وَعَلَّمَهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ صَيْدِهِ الَّذِي صَادَهُ، وَأَثَّرَ فِيهِ بِجُرْحٍ أَوْ تَنْيِيبٍ، وَصَادَ بِهِ مُسْلِمٌ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ إِرْسَالِهِ أَنَّ صيده صحيح يؤكل بلا خلاف. فإن انخزم شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ دَخَلَ الْخِلَافُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصَادُ بِهِ غَيْرُ كَلْبٍ كَالْفَهْدِ وما أشبه، وَكَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الطَّيْرِ فَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا صَادَ بَعْدَ التَّعْلِيمِ فَهُوَ جَارِحٌ كَاسِبٌ، يُقَالُ: جُرِحَ فُلَانٌ وَاجْتَرَحَ: إِذَا اكْتَسَبَ، وَمِنْهُ الْجَارِحَةُ لِأَنَّهُ يُكْتَسَبُ بِهَا، وَمِنْهُ اجْتِرَاحُ السَّيِّئَاتِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ «1» . وَقَوْلُهُ: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ
«2» . قَوْلُهُ: مُكَلِّبِينَ حَالٌ، وَالْمُكَلِّبُ: مُعَلِّمُ الْكِلَابِ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِيَادِ، وَالْأَخَصُّ مُعَلِّمُ الْكِلَابِ وَإِنْ كَانَ مُعَلِّمَ سَائِرِ الْجَوَارِحِ مِثْلَهُ، لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ بِالْكِلَابِ هُوَ الْغَالِبُ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مَعَ أَنَّ التَّكْلِيبَ هُوَ التَّعْلِيمُ، لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنَ التَّعْلِيمِ وَقِيلَ: إِنَّ السَّبُعَ يُسَمَّى كَلْبًا فَيَدْخُلُ كُلُّ سَبْعٍ يُصَادُ بِهِ وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ خَاصَّةً بِالْكِلَابِ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا يُصَادُ بِالْبُزَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الطَّيْرِ فَمَا أَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ، وَإِلَّا فَلَا تَطْعَمْهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَسُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنِ الْبَازِي هَلْ يَحِلُّ صَيْدُهُ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ ذَكَاتَهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ هِيَ الْكِلَابُ خَاصَّةً، فإن كان الكلب الأسود بَهِيمًا فَكَرِهَ صَيْدَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالنَّخَعِيُّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْرِفُ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ إِذَا كَانَ بَهِيمًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ. فَأَمَّا عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ فَيَرَوْنَ جَوَازَ صَيْدِ كُلِّ كَلْبٍ مُعَلَّمٍ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ صَيْدِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، والحق أنه يَحِلَّ صَيْدُ كُلِّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ الْجَوَارِحِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ الْأَسْوَدِ مِنَ الْكِلَابِ وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ سُؤَالُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ الْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ: أَيْ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِمَّا أَدْرَكْتُمُوهُ بِمَا خَلَقَهُ فيكم من العقل الذي تهتدون به
__________
(1) . الأنعام: 60.
(2) . الجاثية: 21.
(2/16)
إِلَى تَعْلِيمِهَا وَتَدْرِيبِهَا حَتَّى تَصِيرَ قَابِلَةً لِإِمْسَاكِ الصَّيْدِ عِنْدَ إِرْسَالِكُمْ لَهَا. قَوْلُهُ: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ، وَالْجُمْلَةُ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَحْلِيلِ صَيْدِ مَا عَلَّمُوهُ مِنَ الْجَوَارِحِ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ: مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ لِلتَّبْعِيضِ، لِأَنَّ بَعْضَ الصَّيْدِ لَا يُؤْكَلُ كَالْجِلْدِ وَالْعَظْمِ وَمَا أَكَلَهُ الْكَلْبُ وَنَحْوُهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُمْسِكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ الصَّيْدِ الَّذِي يَقْصِدُهُ الْجَارِحُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إِرْسَالٍ. وَقَالَ عَطَاءُ ابن أَبِي رَبَاحٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ: وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَقَوْلُهُ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: «فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» . وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرْسَلَتْ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ» . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ، فَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهُ إِنْ أَكَلَ عَقِبَ مَا أَمْسَكَهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ لِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَإِنْ أَمْسَكَهُ ثُمَّ انْتَظَرَ صَاحِبَهُ فَطَالَ عَلَيْهِ الِانْتِظَارُ وَجَاعَ فَأَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ لِجُوعِهِ لَا لِكَوْنِهِ أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْثَرُ ذَلِكَ وَلَا يَحْرُمُ بِهِ الصَّيْدُ، وَحَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، وَحَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْهُ حُرِّمَ لِحَدِيثِ عَدِيٍّ، وَإِنْ أَكَلَ غَيْرَهُ لَمْ يَحْرُمْ لِلْحَدِيثَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَقِيلَ: يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَلَى مَا إِذَا أَمْسَكَهُ وَخَلَّاهُ، ثُمَّ عَادَ فَأَكَلَ مِنْهُ.
وَقَدْ سَلَكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ وَلَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ الْجَمْعِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْبُعْدِ، قَالُوا: وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَرْجَحُ لِكَوْنِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَدْ قَرَّرْتُ هَذَا الْمَسْلَكَ فِي شَرْحِي لِلْمُنْتَقَى بِمَا يَزِيدُ النَّاظِرَ فِيهِ بَصِيرَةً. قَوْلُهُ: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ يَعُودُ إِلَى مَا عَلَّمْتُمْ أي سمّوا عليه عند إرساله، أو مما أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ. أَيْ سَمُّوا عَلَيْهِ إِذَا أَرَدْتُمْ ذَكَاتَهُ. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ إِرْسَالِ الْجَارِحِ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِلَفْظِ:
«إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَإِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ» . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الْمُرَادَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْأَكْلِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الْإِرْشَادُ إِلَى التَّسْمِيَةِ وَهَذَا خطأ، فإن النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ قَدْ وَقَّتَ التَّسْمِيَةَ بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَإِرْسَالِ السَّهْمِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ حُكْمٌ آخَرُ، وَمَسْأَلَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا وَجْهَ لِحَمْلِ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ هُنَا عَلَى مَا وَرَدَ فِي التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَلَا مُلْجِئَ إِلَى ذَلِكَ، وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَدِيٍّ: «إِنْ أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فَكُلْ» . وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ فَقَطْ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ عَلَى الذَّاكِرِ لَا النَّاسِي، وَهَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ وَأَرْجَحُهَا. قَوْلُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
(2/17)
أَيْ حِسَابُهُ سُبْحَانَهُ سَرِيعٌ إِتْيَانُهُ وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ. قَوْلُهُ: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَهِيَ قَوْلُهُ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الطَّيِّبَاتِ. قَوْلُهُ: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ الطَّعَامُ: اسْمٌ لِمَا يُؤْكَلُ، وَمِنْهُ الذَّبَائِحُ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى تَخْصِيصِهِ هُنَا بِالذَّبَائِحِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ طَعَامِ أَهْلِ الْكُتُبِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَ عَلَى ذَبَائِحِهِمُ اسْمَ اللَّهِ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ، وَإِنْ ذَكَرَ الْيَهُودِيُّ عَلَى ذَبِيحَتِهِ اسْمَ عُزَيْرٍ، وَذَكَرَ النَّصْرَانِيُّ عَلَى ذَبِيحَتِهِ اسْمَ الْمَسِيحِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَعِبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَمَكْحُولٌ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ: إِذَا سَمِعْتَ الْكِتَابِيَّ يُسَمِّي غَيْرَ اللَّهِ فَلَا تَأْكُلْ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَالْحَسَنُ وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ «1» وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ:
وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ. فَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ذَكَرُوا عَلَى ذَبَائِحِهِمُ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ فَقَدْ حَكَى الْكِيَا الطَّبَرِيُّ «2» وَابْنُ كَثِيرٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى حِلِّهَا لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلِمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مِنْ أَكْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ مِنَ الشَّاةِ الْمَصْلِيَّةِ الَّتِي أَهْدَتْهَا إِلَيْهِ الْيَهُودِيَّةُ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ الْجِرَابُ الشَّحْمُ الَّذِي أَخَذَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ خَيْبَرَ وَعَلِمَ بذلك النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ هُنَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَأَمَّا الْمَجُوسُ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا لَا تُؤْكَلْ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَبُو ثَوْرٍ كَاسْمِهِ، يَعْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِمَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَجُوسِ: «سَنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» وَلَمْ يَثْبُتْ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَعَلَى فَرْضِ أَنَّ لَهُ أَصْلًا فَفِيهِ زِيَادَةٌ تَدْفَعُ مَا قَالَهُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: «غَيْرَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ وَلَا نَاكِحِي نِسَائِهِمْ» . وَقَدْ رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِفَنِّ الْحَدِيثِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَلَمْ يَثْبُتِ الْأَصْلُ وَلَا الزِّيَادَةُ، بَلِ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، وَأَمَّا بَنُو تَغْلَبَ فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَنْهَى عَنْ ذَبَائِحِهِمْ لِأَنَّهُمْ عَرَبٌ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْعَرَبِ الْمُتَنَصِّرَةِ كَتَنُوخَ وَجُذَامٍ وَلَخْمٍ وَعَامِلَةَ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِذَبِيحَةِ نَصَارَى بَنِي تَغْلَبَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَالَ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ إِنَّ ذَبِيحَةَ كُلِّ نَصْرَانِيٍّ حَلَالٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ بَنِي تَغْلَبَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودُ. قَالَ: وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ كَالطَّعَامِ يَجُوزُ أَكْلُهُ. قَوْلُهُ: وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ أَيْ وَطَعَامُ الْمُسْلِمِينَ حَلَالٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُطْعِمُوا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُكَافَأَةِ وَالْمُجَازَاةِ وَإِخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ مَا يَأْخُذُونَهُ مِنْهُمْ من أعراض الطعام حلال
__________
(1) . الأنعام: 121.
(2) . هو علي بن محمد بن علي، أبو الحسن الطبري، المعروف بالكيا الهرّاسي، فقيه، مفسّر (ت 504 هـ) .
(2/18)
لَهُمْ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ. قَوْلُهُ: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْمُحْصَنَاتِ هُنَا، فَقِيلَ:
الْعَفَائِفُ، وَقِيلَ: الْحَرَائِرُ. وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ بِكَسْرِ الصَّادِ، وَبِهِ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا مُسْتَوْفًى فِي الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ. وَالْمُحْصَنَاتُ مُبْتَدَأٌ، وَمِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَصْفٌ لَهُ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ حِلٌّ لَكُمْ، وَذَكَرَهُنَّ هُنَا تَوْطِئَةً وَتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْمُرَادُ بِهِنَّ الْحَرَائِرُ دُونَ الْإِمَاءِ، هَكَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَعُمُّ كُلَّ كِتَابِيَّةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ وَقِيلَ:
الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ هُنَا الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ:
لَا تَحِلُّ النَّصْرَانِيَّةُ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ: رَبُّهَا عِيسَى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ الْآيَةَ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُخَصِّصَةٌ لِلْكِتَابِيَّاتِ مِنْ عُمُومِ الْمُشْرِكَاتِ فَيُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ حَرَّمَ نِكَاحَ الْإِمَاءِ الْكِتَابِيَّاتِ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ حَمَلَهَا عَلَى الْحَرَائِرِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى:
فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَخَالَفَهُمْ مَنْ قَالَ:
إِنَّ الْآيَةَ تَعُمُّ أَوْ تَخُصُّ الْعَفَائِفَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ الْآيَةِ الْحُرَّةُ الْعَفِيفَةُ مِنَ الْكِتَابِيَّاتِ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ إِلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَيَدْخُلُ تَحْتَهَا الْحُرَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِعَفِيفَةٍ وَالْأَمَةُ الْعَفِيفَةُ، عَلَى قَوْلِ من يقول: إنه يجوز استعمال المشترك فِي كِلَا مَعْنَيَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ فَإِنْ حَمَلَ الْمُحْصَنَاتِ هُنَا عَلَى الْحَرَائِرِ لَمْ يَقُلْ بِجَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَفِيفَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَيَقُولُ: بِجَوَازِ نِكَاحِ الْحُرَّةِ الْعَفِيفَةِ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ، وَإِنْ حَمَلَ الْمُحْصَنَاتُ هُنَا عَلَى الْعَفَائِفِ قَالَ: بِجَوَازِ نِكَاحِ الْحُرَّةِ الْعَفِيفَةِ وَالْأَمَةِ الْعَفِيفَةِ دُونَ غَيْرِ الْعَفِيفَةِ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أَيْ مُهُورَهُنَّ، وَجَوَابُ إِذَا مَحْذُوفٌ: أَيْ فَهُنَّ حَلَالٌ، أَوْ هِيَ ظَرْفٌ لِخَبَرِ الْمُحْصَنَاتِ الْمُقَدَّرِ: أَيْ حِلٌّ لَكُمْ. قَوْلُهُ: مُحْصِنِينَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ: أَيْ حَالَ كَوْنِكُمْ أَعِفَّاءَ بِالنِّكَاحِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: غَيْرَ مُسافِحِينَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مُحْصِنِينَ أَوْ صِفَةٌ لِمُحْصِنِينَ، وَالْمَعْنَى: غَيْرُ مُجَاهِرِينَ بِالزِّنَا. قَوْلُهُ: وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ مَعْطُوفٌ عَلَى غَيْرَ مُسافِحِينَ أَوْ عَلَى مُسافِحِينَ. وَلا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْخِدْنُ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. أَيْ لَمْ يَتَّخِذُوا مَعْشُوقَاتٍ، فَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ فِي الرِّجَالِ الْعِفَّةَ وَعَدَمَ الْمُجَاهَرَةِ بِالزِّنَا وَعَدَمَ اتِّخَاذِ أَخْدَانٍ، كَمَا شَرَطَ فِي النِّسَاءِ أَنْ يَكُنَّ مُحْصَنَاتٍ.
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أَيْ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ أَيْ بَطَلَ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ وَقَرَأَ ابن السّميقع فَقَدْ حَبَطَ بِفَتْحِ الْبَاءِ اه.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ فِي النَّاسِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْتَ بِقَتْلِهَا؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَدِيَّ ابن حَاتِمٍ وَزَيْدَ بْنَ الْمُهَلْهِلِ الطَّائِيَّيْنِ سَأَلَا رَسُولُ الله صلّى الله عليه وَسَلَّمَ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالْكِلَابِ وَالْبُزَاةِ، فَنَزَلَتْ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ الطَّائِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله،
(2/19)
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)
فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ قَالَ: هِيَ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ، وَالْبَازِي والجوارح يعني الكلاب والفهود والصّقور وأشباهها. وأخرج ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قَالَ: آيَةُ الْمُعَلَّمِ أَنْ يُمْسِكَ صَيْدَهُ فَلَا يَأْكُلْ مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهُ.
وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وإذا أكل الصقر فكل لِأَنَّ الْكَلْبَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْرِبَهُ وَالصَّقْرَ لَا تَسْتَطِيعُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قَالَ: ذَبَائِحُهُمْ، وَفِي قَوْلِهِ: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَالَ: حِلٌّ لَكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يَعْنِي مُهُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ يَعْنِي تَنْكِحُونَهُنَّ بِالْمَهْرِ والبينة غَيْرَ مُسافِحِينَ غير معالنين بِالزِّنَا وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يَعْنِي يُسِرُّونَ بِالزِّنَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قَالَ: أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا مُحْصَنَتَيْنِ مُحْصَنَةٌ مُؤْمِنَةٌ وَمُحْصَنَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، نِسَاؤُنَا عَلَيْهِمْ حَرَامٌ وَنِسَاؤُهُمْ لَنَا حَلَالٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم:
«نتزوج نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا يَتَزَوَّجُونَ نِسَاءَنَا» . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: الْمُسْلِمُ يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِيَّةَ وَلَا يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِيُّ الْمُسْلِمَةَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا أُحِلَّتْ ذَبَائِحُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قَالَ: الْحَرَائِرُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: العفائف.
[سورة المائدة (5) : آية 6]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)
قَوْلُهُ: إِذا قُمْتُمْ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ، تَعْبِيرًا بِالْمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «1» .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْأَمْرِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ قِيَامٍ إِلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَ الْقَائِمُ مُتَطَهِّرًا أَوْ مُحْدِثًا، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَعِكْرِمَةَ. وَقَالَ ابْنُ سيرين: كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة. وقالت طائفة أخرى: إن هذه الأمر خاصّ بالنبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْأَمْرَ لَهُمْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ طَلَبًا لِلْفَضْلِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ فِي فتح مكة. وقال جماعة:
__________
(1) . النحل: 98.
(2/20)
هَذَا الْأَمْرُ خَاصٌّ بِمَنْ كَانَ مُحْدِثًا. وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ إِذَا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ إِلَى- الصَّلَاةِ، فَيَعُمُّ الْخِطَابُ كُلَّ قَائِمٍ مِنْ نَوْمٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَصَلَّى الصَّلَوَاتَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، فَقَالَ: «عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ» . وَهُوَ مَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَّفِقَةٍ فِي الْمَعْنَى. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتُمْ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ نُحْدِثْ. فَتَقَرَّرَ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى الْمُحْدِثِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْحَقُّ. قَوْلُهُ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْوَجْهُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ، وَهُوَ عُضْوٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَعْضَاءٍ، وَلَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ، فَحَدُّهُ فِي الطُّولِ مِنْ مُبْتَدَأِ سَطْحِ الْجَبْهَةِ إِلَى مُنْتَهَى اللِّحْيَيْنِ، وَفِي الْعَرْضِ مِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ، وَقَدْ وَرَدَ الدَّلِيلُ بِتَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غَسْلِ مَا اسْتَرْسَلَ، وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي مَوَاطِنِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَيْضًا: هَلْ يُعْتَبَرُ فِي الْغَسْلِ الدَّلْكُ بِالْيَدِ أَمْ يَكْفِي إِمْرَارُ الْمَاءِ؟
وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وَالْمَرْجِعُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ فَإِنْ ثَبَتَ فِيهَا أَنَّ الدَّلْكَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْغَسْلِ كَانَ مُعْتَبَرًا وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي شَمْسِ الْعُلُومِ: غَسَلَ الشَّيْءَ غَسْلًا إِذَا أَجْرَى عَلَيْهِ الْمَاءَ وَدَلَّكَهُ، انْتَهَى. وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الْوَجْهِ يَشْمَلُ بَاطِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فقد ثبت غسلهما بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَالْخِلَافُ فِي الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ مَعْرُوفٌ. وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَا هُوَ الْحَقُّ فِي مُؤَلَّفَاتِنَا. قوله: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ إلى الغاية، وَأَمَّا كَوْنُ مَا بَعْدَهَا يَدْخُلُ فِيمَا قَبْلَهَا فَمَحَلُّ خِلَافٍ. وَقَدْ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا إِنْ كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا قَبْلَهَا دَخَلَ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ: إِنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى مَعَ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا تُفِيدُ الْغَايَةَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الدُّخُولُ وَعَدَمُهُ فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمَرَافِقَ تُغْسَلُ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَدِّهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ» . وَلَكِنَّ الْقَاسِمَ هَذَا مَتْرُوكٌ، وَجَدُّهُ ضَعِيفٌ. قَوْلُهُ:
وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ قِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى: امْسَحُوا رُؤُوسَكُمْ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْمَسْحِ لِجَمِيعِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: هِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ. وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالتَّعْمِيمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي التَّيَمُّمِ: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ الْوَجْهِ اتِّفَاقًا وَقِيلَ: إِنَّهَا لَلْإِلْصَاقِ أَيْ أَلْصِقُوا أَيْدِيَكُمْ بِرُءُوسِكُمْ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي مُؤَلِّفَاتِنَا، فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ غَيْرَ مُحْتَمَلٍ كَاحْتِمَالِ الْآيَةِ عَلَى فَرْضِ أَنَّهَا مُحْتَمَلَةٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ كَانَ مُمْتَثِلًا بِفِعْلِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمَّى الْمَسْحِ، وَلَيْسَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ مِنْ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ نَحْوَ اضْرِبْ زَيْدًا أَوِ اطْعَنْهُ أَوِ ارْجُمْهُ، فَإِنَّهُ يُوجَدُ الْمَعْنَى الْعَرَبِيُّ بِوُقُوعِ الضَّرْبِ أَوِ الطَّعْنِ أَوِ الرَّجْمِ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَلَا يَقُولُ قَائِلٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَوْ مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِهَا إِنَّهُ لَا يَكُونُ ضَارِبًا إِلَّا بِإِيقَاعِ الضَّرْبِ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ زَيْدٍ، وَكَذَلِكَ
(2/21)
الطَّعْنُ وَالرَّجْمُ وَسَائِرُ الْأَفْعَالِ، فَاعْرِفْ هَذَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ مَا هُوَ الصَّوَابُ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ. فَإِنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. قُلْتُ: مُلْتَزِمٌ لَوْلَا الْبَيَانُ مِنَ السُّنَّةِ فِي الْوَجْهِ وَالتَّحْدِيدِ بِالْغَايَةِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِخِلَافِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مَسْحُ الْكُلِّ وَمَسْحُ الْبَعْضِ. قَوْلُهُ: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ قَرَأَ نَافِعٌ بِنَصْبِ الْأَرْجُلِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْأَعْمَشِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ بِالْجَرِّ. وَقِرَاءَةُ النَّصْبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الرجلين، لأنها معطوفة على الوجه، وإلى هذا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَقِرَاءَةُ الْجَرِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ لِأَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الرَّأْسِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِهِمَا، وَمَا عَلِمْتُ مَنْ رَدَّ ذَلِكَ إِلَّا الطَّبَرِيَّ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالرَّافِضَةِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَتَعَلَّقَ الطَّبَرِيُّ بِقِرَاءَةِ الْجَرِّ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:
قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْوُضُوءُ غَسْلَتَانِ وَمَسْحَتَانِ، قَالَ: وَكَانَ عِكْرِمَةُ يَمْسَحُ رِجْلَيْهِ وَقَالَ:
لَيْسَ فِي الرِّجْلَيْنِ غَسْلٌ، إِنَّمَا نَزَلَ فِيهِمَا الْمَسْحُ. وَقَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْمَسْحِ. قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ:
افْتَرَضَ اللَّهُ مَسْحَتَيْنِ وَغَسْلَتَيْنِ. قَالَ: وَذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّ فَرْضَهُمَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، وَجَعَلَ الْقِرَاءَتَيْنِ كَالرِّوَايَتَيْنِ، وَقَوَّاهُ النَّحَّاسُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ وَقَوْلِهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَأَفَادَ وُجُوبَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَسْحُهُمَا، لِأَنَّ شَأْنَ الْمَسْحِ أَنْ يُصِيبَ مَا أَصَابَ وَيُخْطِئَ مَا أَخْطَأَ، فَلَوْ كَانَ مُجْزِئًا لَمَا قَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ:
«هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ» . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ عَلَى قَدَمِهِ مِثْلَ مَوْضِعِ الظُّفُرِ، فَقَالَ لَهُ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ» . وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَهُوَ ثَابِتٌ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ. وَقَوْلُهُ: إِلَى الْكَعْبَيْنِ الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ: إِلَى الْمَرافِقِ وَقَدْ قِيلَ فِي وَجْهِ جَمْعِ الْمَرَافِقِ وَتَثْنِيَةِ الْكِعَابِ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي كُلِّ رَجُلٍ كَعْبَانِ وَلَمْ يَكُنْ فِي كُلِّ يَدٍ إِلَّا مِرْفَقٌ وَاحِدٌ ثُنِّيَتِ الْكِعَابُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ، بِخِلَافِ الْمَرَافِقِ فَإِنَّهَا جُمِعَتْ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي كُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ وَاحِدٌ لَمْ يُتَوَهَّمْ وُجُودُ غَيْرِهِ، ذَكَرَ مَعْنَى هَذَا ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقَالَ الْكَوَاشِيُّ: ثَنَّى الْكَعْبَيْنِ وَجَمَعَ الْمَرَافِقِ لِنَفْيِ تَوَهُّمِ أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الرِّجْلَيْنِ كَعْبَيْنِ، وَإِنَّمَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ كَعْبٌ وَاحِدٌ لَهُ طَرَفَانِ مِنْ جَانِبَيِ الرِّجْلِ، بِخِلَافِ الْمِرْفَقِ فَهِيَ أَبْعَدُ عَنِ الْوَهْمِ، انْتَهَى.
وَبَقِيَ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ وَلَمْ يُذْكَرَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، بَلْ وَرَدَتْ بِهِمَا السُّنَّةُ وَقِيلَ: إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ كَانَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ:
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لَهَا، وَذَلِكَ هُوَ النِّيَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ. قَوْلُهُ: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا أَيْ فَاغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ.
وَقَدْ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى أَنَّ الْجُنَبَ لَا يَتَيَمَّمُ أَلْبَتَّةَ، بَلْ يَدَعُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ اسْتِدْلَالًا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى وُجُوبِ التَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ لِلْوَاجِدِ، عَلَى أَنَّ التَّطَهُّرَ هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْحَاصِلِ بِالْمَاءِ أَوْ بِمَا هُوَ عِوَضٌ عَنْهُ مَعَ عَدَمِهِ، وَهُوَ التُّرَابُ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ الرجوع
(2/22)
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)
إِلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْجُنُبِ فِي النِّسَاءِ. قَوْلُهُ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ «1» قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مُسْتَوْفًى، وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ وَعَلَى التَّيَمُّمِ وَعَلَى الصَّعِيدِ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ:
مِنْهُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ. قِيلَ: وَوَجْهُ تَكْرِيرِ هَذَا هُنَا لِاسْتِيفَاءِ الْكَلَامِ فِي أَنْوَاعِ الطَّهَارَةِ.
مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ أَيْ مَا يُرِيدُ بِأَمْرِكُمْ بِالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالتُّرَابِ التَّضْيِيقَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «2» ثُمَّ قَالَ: وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقِيلَ: مِنَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ أَيْ بِالتَّرْخِيصِ لَكُمْ فِي التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ بِمَا شَرَعَهُ لَكُمْ مِنَ الشَّرَائِعِ الَّتِي عَرَّضَكُمْ بِهَا لِلثَّوَابِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ فَتَسْتَحِقُّونَ بِالشُّكْرِ ثَوَابَ الشَّاكِرِينَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ قَالَ: قُمْتُمْ مِنَ الْمَضَاجِعِ، يَعْنِي النَّوْمَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْهُ يَقُولُ: إِذَا قُمْتُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ قَالَ: ذَلِكَ الْغَسْلُ الدَّلْكُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَنَا فَقَالَ: اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ ابْنِ آدَمَ أَقْرَبَ إِلَى الْخَبَثِ مِنْ قَدَمَيْهِ، فَاغْسِلُوا بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُمَا وَعَرَاقِيبَهُمَا. قَالَ أَنَسٌ:
صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ الْحَجَّاجُ، قَالَ اللَّهُ: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا مَسَحَ قَدَمَيْهِ بَلَّهُمَا. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: مِنْ حَرَجٍ قَالَ: مِنْ ضِيقٍ. وأخرج عبد بن حميد وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ قَالَ: تَمَامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الْجَنَّةِ، لَمْ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَى عَبْدٍ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ.
| PICKTHAL | They ask thee (O Muhammad) what is made lawful for them. Say: (all) good things are made lawful for you. And those beasts and birds of prey which ye have trained as hounds are trained; ye teach them that which Allah taught you; so eat of that which they catch for you and mention Allah's name upon it; and observe your duty to Allah. Lo! Allah is swift to take account. |
|---|---|
| YUSUFALI | They ask thee what is lawful to them (as food). Say: lawful unto you are (all) things good and pure: and what ye have taught your trained hunting animals (to catch) in the manner directed to you by Allah: eat what they catch for you; but pronounce the name of Allah over it: and fear Allah; for Allah is swift in taking account. |
| SHAKIR | They ask you as to what is allowed to them. Say: The good things are allowed to you; and what you have taught the beasts and birds of prey; training them to hunt-- you teach them of what Allah has taught you-- so eat of that which they catch for you and mention the name of Allah over it; and be careful of (your duty to) Allah; surely Allah is swift in reckoning. |
| Haroon | 4. They ask thee what is lawful to them (as food). Say: lawful unto you are (all) things good and pure: and what ye have taught your trained hunting animals (to catch) in the manner directed to you by Allah. eat what they catch for you; but pronounce the name of Allah over it: and fear Allah. for Allah is swift in taking account. |
| Turky | 4 Sana kendilerine neyin helal kilindigini soruyorlar. De ki: "Size iyi ve temiz seyler helal kilindi." Allah'in size ?grettiginden ?greterek yetistirdiginiz avci hayvanlarin sizin i?in tuttuklarini yiyin ve ?zerine Allah'in adini anin (besmele ?ekin); Allah'tan korkun. Muhakkak Allah; hesabi ?abuk g?rendir. |
| الحكم | الكلمة | من | إلى |
|---|---|---|---|
| اللام - إظهار | يسألونك | 1 | 1 |
| المدود - المد الطبيعي | يسألونك | 1 | 1 |
| المدود - المد الطبيعي | ماذا | 2 | 2 |
| المدود - الجائز المنفصل | ماذا أحل | 2 | 3 |
| اللام - إظهار | أحل | 3 | 3 |
| اللام - إظهار | أحل لهم | 3 | 4 |
| الميم الساكنة - إظهار شفوي | لهم قل | 4 | 5 |
| اللام - إدغام | لكم الطيبات | 7 | 8 |
| القلقلة - قلقلة كبرى | الطيبات | 8 | 8 |
| المدود - المد الطبيعي | الطيبات | 8 | 8 |
| الميم الساكنة - إظهار شفوي | علمتم | 10 | 10 |
| الميم الساكنة - إدغام متماثل | علمتم من | 10 | 11 |
| المدود - المد الطبيعي | الجوارح | 12 | 12 |
| المدود - المد الطبيعي | مكلبين | 13 | 13 |
| اللام - إدغام | علمكم الله | 16 | 17 |
| المدود - مد الصلة الصغرى | الله فكلوا | 17 | 18 |
| الميم الساكنة - إظهار شفوي | أمسكن | 20 | 20 |
| الميم الساكنة - إظهار شفوي | عليكم واذكروا | 21 | 22 |
| الراء - تفخيم | واذكروا | 22 | 22 |
| المدود - مد الصلة الصغرى | الله عليه | 24 | 25 |
| المدود - اللازم الكلمي المثقل | واتقوا | 26 | 26 |
| المدود - المد الطبيعي | سريع | 30 | 30 |
| المدود - المد الطبيعي | الحساب | 31 | 31 |