سورة النِّسَاء / الآية 97

رقم عام 590
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ٩٧
#الكلمةالمفردةالجذرالوزنسابقةلاحقة
1إِنَّ
2الَّذِينَالذين
3تَوَفَّاهُمُتوفىوفيتفعلهم
4الْمَلَائِكَةُملائكةملكفعائلةال
5ظَالِمِيظالمظلمفاعلي
6أَنْفُسِهِمْأنفسنفسأفعلهم
7قَالُواقالقولفعلوا
8فِيمَمفي
9كُنْتُمْكنكونفعلتم
10قَالُواقالقولفعلوا
11كُنَّاكانكونفلنا
12مُسْتَضْعَفِينَمستضعفضعفمستفعلين
13فِي
14الْأَرْضِأرضأرضفعلال
15قَالُواقالقولفعلوا
16أَلَمْلمولمعلأ
17تَكُنْتكنكونتفل
18أَرْضُأرضأرضفعل
19اللَّهِاللهألهفعل
20وَاسِعَةًواسعةوسعفاعلة
21فَتُهَاجِرُواتهاجرهجرتفاعلفوا
22فِيهَافيها
23فَأُولَئِكَأولئكف
24مَأْوَاهُمْمأوىأويمفعلهم
25جَهَنَّمُجهنمجهنمفعلل
26وَسَاءَتْساءسيأفعلوت
27مَصِيرًامصيرصيرمفعل

التفسير

[سورة النساء (4) : الآيات 97 الى 100]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100)
قَوْلُهُ: تَوَفَّاهُمُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مَاضِيًا وَحُذِفَتْ مِنْهُ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ، لِأَنَّ تَأْنِيثَ الْمَلَائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا، وَالْأَصْلُ تَتَوَفَّاهُمُ، فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ. وَحَكَى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ الْمَعْنَى: تَحْشُرُهُمْ إِلَى النَّارِ، وَقِيلَ: تَقْبِضُ أَرْوَاحَهُمْ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَالْمُرَادُ بِالْمَلَائِكَةِ: مَلَائِكَةُ الْمَوْتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ «1» . وَقَوْلُهُ: ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ حَالٌ، أَيْ: فِي حَالِ ظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ، وَقَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: فِيمَ كُنْتُمْ سُؤَالُ توبيخ، أي: في أيّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِنْ أُمُورِ دِينِكُمْ؟ وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَكُنْتُمْ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى السُّؤَالِ: التَّقْرِيعُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وَقَوْلُهُمْ: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ يَعْنِي مَكَّةَ، لِأَنَّ سَبَبَ النُّزُولِ: مَنْ أَسْلَمَ بِهَا وَلَمْ يُهَاجِرْ، كَمَا سَيَأْتِي، ثُمَّ أَوْقَفَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى دِينِهِمْ، وَأَلْزَمَتْهُمُ الْحُجَّةَ، وَقَطَعَتْ مَعْذِرَتَهُمْ، فَقَالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَرْضِ: الْمَدِينَةُ، وَالْأَوْلَى: الْعُمُومُ اعْتِبَارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَمَا هُوَ الْحَقُّ، فَيُرَادُ بِالْأَرْضِ: كُلُّ بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إِلَيْهَا، وَيُرَادُ بِالْأَرْضِ الْأُولَى: كُلُّ أَرْضٍ يَنْبَغِي الْهِجْرَةُ مِنْهَا. قَوْلُهُ: مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأُولَئِكَ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ وَدُخُولُ الْفَاءِ لِتَضَمُّنِ
__________
(1) . السجدة: 11.
(1/582)

اسم إن معنى الشرط وَساءَتْ أَيْ: جَهَنَّمَ مَصِيراً أَيْ: مَكَانًا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي مَأْوَاهُمْ، وَقِيلَ: اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، لِعَدَمِ دُخُولِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي الْمَوْصُولِ وَضَمِيرِهِ. وَقَوْلُهُ: مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ: كَائِنِينَ مِنْهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ: الزَّمْنَى وَنَحْوُهُمْ، وَالْوِلْدَانُ: كَعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَسَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْوِلْدَانَ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ لَهُمْ لِقَصْدِ الْمُبَالِغَةِ فِي أَمْرِ الْهِجْرَةِ، وَإِيهَامِ أَنَّهَا تَجِبُ لَوِ اسْتَطَاعَهَا غَيْرُ الْمُكَلَّفِ، فَكَيْفَ مَنْ كَانَ مُكَلَّفًا وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْوِلْدَانِ: الْمُرَاهِقِينَ وَالْمَمَالِيكَ. قَوْلُهُ: لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أَوْ: لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، أَوْ: حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَقِيلَ: الْحِيلَةُ: لَفْظٌ عَامٌّ لِأَنْوَاعِ أَسْبَابِ التَّخَلُّصِ، أَيْ: لَا يَجِدُونَ حِيلَةً وَلَا طَرِيقًا إِلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: السَّبِيلُ: سَبِيلُ الْمَدِينَةِ فَأُولئِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذَكَرَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَجِيءَ بِكَلِمَةِ الْإِطْمَاعِ لِتَأْكِيدِ أَمْرِ الْهِجْرَةِ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ تَرْكَهَا مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ يَكُونُ ذَنْبًا يَجِبُ طَلَبُ الْعَفْوِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْهِجْرَةِ وَالتَّنْشِيطِ إِلَيْهَا. وَقَوْلُهُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِيهِ دَلِيلٌ: عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ، وَنِيَّةٍ خَالِصَةٍ غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بعدهم: المراغم: التحوّل وَالْمَذْهَبُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُرَاغَمُ: الْمُتَزَحْزَحُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُرَاغَمُ الْمُهَاجَرُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ النَّحَّاسُ: فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي، فَالْمُرَاغَمُ: الْمَذْهَبُ وَالْمُتَحَوَّلُ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُرَاغَمُ فِيهِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ، وَرَغِمَ أَنْفُ فُلَانٍ، أَيْ: لَصِقَ بِالتُّرَابِ، وَرَاغَمْتُ فُلَانًا: هَجَرْتُهُ وَعَادَيْتُهُ وَلَمْ أُبَالِ أَنَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ مُهَاجِرًا وَمُرَاغِمًا: لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا أَسْلَمَ عَادَى قَوْمَهُ وَهَجَرَهُمْ، فَسُمِّيَ خُرُوجُهُ مُرَاغِمًا، وَسُمِّي مَسِيرُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ هِجْرَةً. وَالْحَاصِلُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ الْمُهَاجِرَ يَجِدُ فِي الْأَرْضِ مَكَانًا يَسْكُنُ فِيهِ على رغم أنف قومه الذين جاورهم، أَيْ: عَلَى ذُلِّهِمْ وَهَوَانِهِمْ. قَوْلُهُ: وَسَعَةً أَيْ: فِي الْبِلَادِ وَقِيلَ: فِي الرِّزْقِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ السَّعَةِ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ قُرِئَ: يُدْرِكْهُ بِالْجَزْمِ، عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى فِعْلِ الشَّرْطِ، وَبِالرَّفْعِ، عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ أَنْ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَطْلُوبِهِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي قَصَدَ الْهِجْرَةَ إِلَيْهِ، أَوِ الْأَمْرُ الَّذِي قَصَدَ الْهِجْرَةَ لَهُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أَيْ: ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ثُبُوتًا لَا يَتَخَلَّفُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً أَيْ: كَثِيرَ الْمَغْفِرَةِ رَحِيماً أَيْ: كَثِيرَ الرَّحْمَةِ. وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ بِدَارِ الشِّرْكِ، أَوْ بِدَارٍ يُعْمَلُ فِيهَا بِمَعَاصِي اللَّهِ جِهَارًا، إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، لِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنَ الْعُمُومِ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا كَمَا تَقَدَّمَ. وَظَاهِرُهَا: عدم الفرق
(1/583)

بَيْنَ مَكَانٍ وَمَكَانٍ وَزَمَانٍ وَزَمَانٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْهِجْرَةِ أَحَادِيثُ، وَوَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَا هُوَ الْحَقُّ فِي شَرْحِنَا عَلَى الْمُنْتَقَى فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا وَكَانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالْإِسْلَامِ، فَأَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مَعَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ وَقُتِلَ الْبَعْضُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: قَدْ كَانَ أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ وَأُكْرِهُوا فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالَ: فَكُتِبَ إِلَى مَنْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا، فَلَحِقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَعْطَوْهُمُ الْفِتْنَةَ «1» ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةِ:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ «2» إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَكَتَبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَحَزِنُوا وَأَيِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ «3» فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكُمْ مَخْرَجًا فَاخْرُجُوا، فَخَرَجُوا، فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى نَجَا مَنْ نَجَا، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ مُقْتَصِرًا عَلَى أَوَّلِهِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ إِلَى قَوْلِهِ: وَساءَتْ مَصِيراً قَالَ: نَزَلَتْ فِي قَيْسِ بْنِ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَالْحَارِثِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَقَيْسِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَبِي الْعَاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعُهُمْ لِمَنْعِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَعِيرِ قُرَيْشٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَأَنْ يَطْلُبُوا مَا نِيلَ مِنْهُمْ يَوْمَ نَخْلَةَ، خَرَجُوا مَعَهُمْ بِشَبَابٍ كَارِهِينَ، كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا، وَاجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كُفَّارًا، وَرَجَعُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ هؤلاء الذين سميناهم. وقد أخرج نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مِنْ طُرُقٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه تلا هذا الْآيَةَ: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ فَقَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً قَالَ:
قُوَّةً. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جرير، وابن المنذر، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ:
لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً قَالَ: نُهُوضًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قَالَ: طَرِيقًا إِلَى الْمَدِينَةِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً قَالَ: الْمُرَاغَمُ: الْمُتَحَوَّلُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ. وَالسَّعَةُ: الرِّزْقُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: مُراغَماً قَالَ: مُتَزَحْزَحًا عَمَّا يَكْرَهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ: وَسَعَةً قَالَ: وَرَخَاءً. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ قَالَ: سَعَةُ الْبِلَادِ. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، قَالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ: عَنِ ابْنِ عباس قال:
__________
(1) . في ابن كثير، ط دار الأندلس [2/ 396] : التقية.
(2) . العنكبوت: 10. [.....]
(3) . النحل: 110.
(1/584)

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)
خَرَجَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: احْمِلُونِي فَأَخْرِجُونِي مِنْ أَرْضِ الشِّرْكِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلى النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ، فَنَزَلَ الْوَحْيُ: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وَأَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَيْنَ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَخَرَّ عَنْ دَابَّتِهِ فَمَاتَ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، أَوْ لَدَغَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» - يَعْنِي بِحَتْفِ أَنْفِهِ: عَلَى فِرَاشِهِ، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَكَلِمَةٌ مَا سَمِعْتُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «وَمَنْ قتل قعصا «1» فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ» . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَنْ خَرَجَ حَاجًّا فَمَاتَ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْحَاجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَمَاتَ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْمُعْتَمِرِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَرَجَ غَازِيًّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْغَازِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا حَدِيثٌ غريب من هذا الوجه.

الترجمات

PICKTHAL Lo! as for those whom the angels take (in death) while they wrong themselves; (the angels) will ask: In what were ye engaged? They will say: We were oppressed in the land. (The angels) will say: Was not Allah's earth spacious that ye could have migrated therein? As for such; their habitation will be hell; an evil journey's end;
YUSUFALI When angels take the souls of those who die in sin against their souls; they say: "In what (plight) Were ye?" They reply: "Weak and oppressed Were we in the earth." They say: "Was not the earth of Allah spacious enough for you to move yourselves away (From evil)?" Such men will find their abode in Hell;- What an evil refuge! -
SHAKIR Surely (as for) those whom the angels cause to die while they are unjust to their souls; they shall say: In what state were you? They shall say: We were weak in the earth. They shall say: Was not Allah's earth spacious; so that you should have migrated therein? So these it is whose abode is hell; and it is an evil resort
Haroon97. When angels take the souls of those who die in sin against their souls; they say: "In what (plight) Were ye?" They reply: "Weak and oppressed Were we in the earth." They say: "Was not the earth of Allah spacious enough for you to move yourselves away (From evil)?" Such men will find their abode in Hell;- What an evil refuge! -
Turky97 Melekler kendilerine zulmeden kisilerin canlarini aldiklarinda; onlara; "Ne iste idiniz?" derler. Onlar da: "Biz yer y?z?nde zayif kimselerdik." derler. Melekler: "Allah'in yery?z? genis degil miydi; siz de orada hicret etseydiniz ya?" derler. Iste bunlarin varacaklari yer cehennemdir. O ne k?t? gidis yeridir.
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ : إن واسم الموصول اسمها وتتوفاهم فعل مضارع والهاء مفعوله والملائكة فاعله والجملة صلة الموصول
ظالِمِي : حال منصوبة بالياء وحذفت النون للإضافة
أَنْفُسِهِمْ : مضاف إليه
قالُوا : فعل ماض وفاعل والجملة خبر إنّ
فِيمَ كُنْتُمْ : ما اسم استفهام مبني على السكون في محل جر بحرف الجر ٫٫٫ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر كنتم وحذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها والجملة مقول القول
قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ : كان واسمها وخبرها الذي تعلق به الجار والمجرور بعده والجملة مقول القول وجملة
قالُوا : مستأنفة
أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً : فعل مضارع ناقص مجزوم بلم واسمها وخبرها واللّه لفظ الجلالة مضاف إليه والهمزة للإستفهام والجملة مفعول به بعد قالوا
فَتُهاجِرُوا فِيها : فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية والواو فاعل والمصدر المؤول معطوف على مصدر مقدر من الفعل السابق. والجار والمجرور فيها متعلقان بالفعل قبلهما
فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ : اسم الإشارة مبتدأ مأواهم مبتدأ ثان مرفوع بالضمة المقدرة على الألف خبره جهنم والجملة الاسمية خبر المبتدأ أولئك
وَساءَتْ مَصِيراً : فعل ماض للذم مصيرا تمييز والفاعل ضمير مستتر يفسره هذا التمييز والمخصوص بالذم محذوف أي : جهنم والجملة مستأنفة٫
الحكم الكلمة من إلى
المدود - المد الطبيعي الذين 2 2
المدود - المد الطبيعي توفاهم 3 3
اللام - إظهار الملائكة 4 4
المدود - الواجب المتصل الملائكة 4 4
المدود - المد الطبيعي ظالمي 5 5
المدود - الجائز المنفصل ظالمي أنفسهم 5 6
النون الساكنة والتنوين - إخفاء أنفسهم 6 6
الميم الساكنة - إظهار شفوي أنفسهم قالوا 6 7
المدود - المد الطبيعي فيم 8 8
النون الساكنة والتنوين - إخفاء كنتم 9 9
الميم الساكنة - إظهار شفوي ألم تكن 16 17
اللام - إدغام أرض الله 18 19
المدود - مد الصلة الصغرى الله واسعة 19 20
المدود - المد الطبيعي واسعة 20 20
النون الساكنة والتنوين - إخفاء واسعة فتهاجروا 20 21
الراء - تفخيم فتهاجروا 21 21
المدود - المد الطبيعي فتهاجروا 21 21
المدود - المد الطبيعي فيها 22 22
المدود - المد الطبيعي فأولئك 23 23
المدود - مد البدل فأولئك 23 23
الميم الساكنة - إظهار شفوي مأواهم جهنم 24 25
المدود - الواجب المتصل وساءت 26 26
المدود - المد الطبيعي مصيرا 27 27