سورة الحَديد / الآية 7

رقم عام 5082
آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ٧
#الكلمةالمفردةالجذرالوزنسابقةلاحقة
1آَمِنُواآمنأمنإفعلوا
2بِاللَّهِاللهألهفعلب
3وَرَسُولِهِرسولرسلفعولوه
4وَأَنْفِقُواأنفقنفقأفعلووا
5مِمَّامامن
6جَعَلَكُمْجعلجعلفعلكم
7مُسْتَخْلَفِينَمستخلفخلفمستفعلين
8فِيهِفيه
9فَالَّذِينَالذينف
10آَمَنُواآمنأمنفاعلوا
11مِنْكُمْمنكم
12وَأَنْفَقُواأنفقنفقأفعلووا
13لَهُمْهمل
14أَجْرٌأجرأجرفعل
15كَبِيرٌكبيركبرفعيل

التفسير

[سورة الحديد (57) : الآيات 7 الى 11]
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (9) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)
قَوْلُهُ: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَيْ: صَدِّقُوا بِالتَّوْحِيدِ وَبِصِحَّةِ الرِّسَالَةِ، وَهَذَا خِطَابٌ لِكُفَّارِ الْعَرَبِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْجَمِيعِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ الِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ، أَوِ الِازْدِيَادُ مِنْهُ. ثُمَّ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ أَمَرَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ أَيْ:
جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمْلِكُوهُ حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْمَالَ مَالُ اللَّهِ وَالْعِبَادَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَمْوَالِهِ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَصْرِفُوهَا فِيمَا يُرْضِيهِ. وَقِيلَ: جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِمَّنْ تَرِثُونَهُ، وَسَيَنْتَقِلُ إِلَى غَيْرِكُمْ مِمَّنْ يَرِثُكُمْ،
__________
(1) . يونس: 94.
(5/200)

فَلَا تَبْخَلُوا بِهِ. كَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ إِلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُمْ وَيَصِيرَ إِلَى غَيْرِهِمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ التَّرْغِيبُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي الْخَيْرِ، وَمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ عَلَى الْعُمُومِ، وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَلَا وَجْهَ لهذا التخصيص. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ ثَوَابَ مَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ:
فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ أَيِ: الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبَيْنَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَهُوَ الْجَنَّةُ وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ، أَيْ:
أَيُّ عُذْرٍ لَكُمْ، وَأَيُّ مَانِعٍ مِنَ الْإِيمَانِ، وَقَدْ أُزِيحَتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ؟ وَ «ما» مبتدأ و «لكم» خبره ولا تُؤْمِنُونَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «لَكُمْ» ، وَالْعَامِلُ «مَا» فِيهِ مِنْ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى:
أَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ مِنَ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ إِذَا لَمْ تُؤْمِنُوا؟ وَجُمْلَةُ: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ لَا تُؤْمِنُونَ على التداخل، و «لتؤمنوا» متعلق بيدعوكم، أَيْ: يَدْعُوكُمْ لِلْإِيمَانِ، وَالْمَعْنَى: أَيُّ عُذْرٍ لَكُمْ فِي تَرْكِ الْإِيمَانِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ وَيُنَبِّهُكُمْ عَلَيْهِ؟ وَجُمْلَةُ: وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يَدْعُوكُمْ عَلَى التَّدَاخُلِ أَيْضًا، أَيْ: وَالْحَالُ أَنْ قَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَكُمْ حِينَ أَخْرَجَكُمْ مِنْ ظَهْرِ أَبِيكُمْ آدَمَ، أَوْ بِمَا نَصَبَ لَكُمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدالة على التوحيد وجوب الْإِيمَانِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: «وَقَدْ أَخَذَ» مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمَا أُخِذَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمِيثَاقِ، أَوْ بِالْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ، أَوْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِهِ وَأَوْضَحِ مُوجِبَاتِهِ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ أي: واضحات ظاهرات، وهي الآيات الْقُرْآنِيَّةُ، وَقِيلَ: الْمُعْجِزَاتُ وَالْقُرْآنُ أَعْظَمُهَا لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أَيْ: لِيُخْرِجَكُمُ اللَّهُ بِتِلْكَ الْآيَاتِ مِنْ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ، أَوْ لِيُخْرِجَكُمُ الرَّسُولُ بِتِلْكَ الْآيَاتِ، أَوْ بِالدَّعْوَةِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أَيْ: لَكَثِيرُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ بَلِيغُهُمَا، حَيْثُ أَنْزَلَ كُتُبَهُ وَبَعَثَ رُسُلَهُ لِهِدَايَةِ عِبَادِهِ، فَلَا رَأْفَةَ وَلَا رَحْمَةَ أَبْلَغُ مِنْ هَذِهِ، وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِلتَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالْكَلَامُ فِي إِعْرَابِ هَذَا كَالْكَلَامِ فِي إِعْرَابِ قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْفَاقَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ هُوَ الْإِنْفَاقُ في سبيل كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى: أَيُّ عُذْرٍ لَكُمْ وأيّ شَيْءٍ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ؟ وَالْأَصْلُ: فِي أَنْ لَا تُنْفِقُوا، وَقِيلَ: إِنَّ أَنْ زَائِدَةٌ، وَجُمْلَةُ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ «أَلَّا تُنْفِقُوا» أَوْ مِنْ مَفْعُولِهِ، وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ؟ وَالْحَالُ أَنَّ كُلَّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِانْقِرَاضِ الْعَالَمِ كَرُجُوعِ الْمِيرَاثِ إِلَى الْوَارِثِ، وَلَا يَبْقَى لَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا أَدْخَلُ فِي التَّوْبِيخِ وَأَكْمَلُ فِي التَّقْرِيعِ، فَإِنَّ كَوْنَ تِلْكَ الْأَمْوَالِ تَخْرُجُ عَنْ أَهْلِهَا، وَتَصِيرُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ مَالِكِيهَا أَقْوَى فِي إِيجَابِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَوْنِهَا لِلَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُمْ خُلَفَاؤُهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ فَضْلَ مَنْ سَبَقَ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالزَّهْرِيُّ: فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةَ. قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ قِتَالَانِ أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ
(5/201)

مِنَ الْآخَرِ، وَنَفَقَتَانِ إِحْدَاهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْأُخْرَى، كَانَ الْقِتَالُ وَالنَّفَقَةُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أَفْضَلَ مِنَ الْقِتَالِ وَالنَّفَقَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَا قَالَ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا يَسْتَوِي مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ وَمَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ، فَحُذِفَ لِظُهُورِهِ وَلِدَلَالَةِ مَا سَيَأْتِي عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَتِ النَّفَقَةِ وَالْقِتَالِ بَعْدَ الْفَتْحِ لِأَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ أَكْثَرَ، وَهُمْ أَقَلُّ وَأَضْعَفُ، وَتَقْدِيمُ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْقِتَالِ لِلْإِيذَانِ بِفَضِيلَةِ الْإِنْفَاقِ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْحَاجَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يجودون بأنفسهم ولا يجدون ما يجدون بِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ:
وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ «1»
وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ إِلَى «مَنْ» بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا أَيْ: أَرْفَعُ مَنْزِلَةً وَأَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ عَطَاءٌ: دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ تَتَفَاضَلُ فَالَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ فِي أَفْضَلِهَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ نَالَهُمْ مِنَ الْمَشَقَّةِ أَكْثَرُ مِمَّا نَالَ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَكَانَتْ بَصَائِرُهُمْ أَيْضًا أَنْفَذَ.
وَقَدْ أَرْشَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هَذِهِ الْفَضِيلَةِ بِقَوْلِهِ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ: لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» وَهَذَا خِطَابٌ مِنْهُ صلّى الله عليه وسلّم للمتأخرين وصحبه كَمَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ السَّبَبُ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أَيْ: وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ وَعَدَ اللَّهُ الْمَثُوبَةَ الْحُسْنَى، وَهِيَ الْجَنَّةُ مَعَ تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ فِيهَا. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: «وَكُلًّا» بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْفِعْلِ الْمُتَأَخِّرِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ وَالْعَائِدُ محذوف، أو على أنه خبر مبتدأ مَحْذُوفٌ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ «2» :
قَدْ أَصْبَحَتْ أَمُّ الْخِيَارِ تَدَّعِي ... عَلِيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أَصْنَعِ
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. ثُمَّ رَغَّبَ سُبْحَانَهُ فِي الصَّدَقَةِ فَقَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أَيْ: مَنْ ذَا الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ كَمَنْ يُقْرِضُهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا حَسَنًا قَدْ أَقْرَضَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ «3» .
وَإِذَا جُوزِيتَ قَرْضًا فَاجْزِهِ ... إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتَى لَيْسَ الْجَمَلْ
قَالَ الْكَلْبِيُّ قَرْضاً أَيْ: صَدَقَةً حَسَناً أَيْ: مُحْتَسِبًا مِنْ قَلْبِهِ بِلَا مَنٍّ وَلَا أَذًى. قَالَ مُقَاتِلٌ:
حَسَنًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَيُضاعِفَهُ لَهُ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ «فَيُضْعِفُهُ» بِإِسْقَاطِ الْأَلِفِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ وَيَعْقُوبَ نَصَبُوا الْفَاءَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ «فَيُضَاعِفَهُ» بِالْأَلِفِ وَتَخْفِيفِ الْعَيْنِ، إِلَّا أَنَّ عَاصِمًا نَصَبَ الْفَاءَ وَرَفَعَ الْبَاقُونَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرَّفْعُ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى يُقْرِضُ، أَوِ الِاسْتِئْنَافِ وَالنَّصْبُ لِكَوْنِ الْفَاءِ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ. وضعف النصب أبو علي
__________
(1) . وصدره: تجود بالنفس إذ أنت الضنين بها. والبيت لمسلم بن الوليد.
(2) . هو لبيد.
(3) . هو لبيد.
(5/202)

يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)
الفارسي، قال: لأن السؤال لم يقع على الْقَرْضِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ عَنْ فَاعِلِ الْقَرْضِ، وَإِنَّمَا تَنْصِبُ الْفَاءُ فِعْلًا مَرْدُودًا عَلَى فِعْلٍ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ، لَكِنَّ هَذِهِ الْفِرْقَةَ حَمَلَتْ ذَلِكَ عَلَى الْمَعْنَى، كَأَنَّ قَوْلَهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَيُقْرِضُ اللَّهَ أَحَدٌ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ وَهُوَ الْجَنَّةُ، وَالْمُضَاعَفَةُ هُنَا هِيَ كَوْنُ الْحَسَنَةِ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَوْقَاتِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ، مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الحديبية حتى إذا كان بِعُسْفَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ قَوْمٌ يُحَقِّرُونَ أَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، قُلْنَا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
أَقَرِيشٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، فَقُلْنَا: أَهُمْ خَيْرٌ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ جَبَلٌ مِنْ ذَهَبٍ مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِكُمْ وَلَا نَصِيفَهُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا فَصْلُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ الْآيَةَ» وَهَذَا الْحَدِيثُ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هُوَ غَرِيبٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْحُدَيْبِيَةَ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلَامٌ، فَقَالَ خَالِدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: تَسْتَطِيلُونَ عَلَيْنَا بِأَيَّامٍ سَبَقْتُمُونَا بِهَا؟ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «دعوا لي أصحابي، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ أَوْ مِثْلَ الْجِبَالِ ذَهَبًا مَا بَلَغْتُمْ أَعْمَالَهُمْ» .
وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلفظ: «لا تسبّوا أصحابي، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ، وَفِي لَفْظٍ: «مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نصيفه» أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وغير هما مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيٍّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عمره.

الترجمات

PICKTHAL Believe in Allah and His messenger; and spend of that whereof He hath made you trustees; and such of you as believe and spend (aright); theirs will be a great reward.
YUSUFALI Believe in Allah and His messenger; and spend (in charity) out of the (substance) whereof He has made you heirs. For; those of you who believe and spend (in charity);- for them is a great Reward.
SHAKIR Believe in Allah and His Messenger; and spend out of what He has made you to be successors of; for those of you who believe and spend shall have a great reward.
Haroon7. Believe in Allah and His apostle; and spend (in charity) out of the (substance) whereof He has made you heirs. For; those of you who believe and spend (in charity);- for them is a great Reward.
Turky7 Allah'a ve Resul?ne iman edin. Sizi h?kim kildigi; sizin y?netiminize verdigi seylerden harcayin. Sizden; inanan ve harcayanlar i?in b?y?k m?kafat vardir.
آمِنُوا : أمر مبني على حذف النون والواو فاعله
بِاللَّهِ : متعلقان بالفعل والجملة استئنافية لا محل لها
وَرَسُولِهِ : معطوف على ما قبله
وَأَنْفِقُوا : معطوف على آمنوا
مِمَّا : متعلقان بالفعل
جَعَلَكُمْ : ماض ومفعوله الأول والفاعل مستتر
مُسْتَخْلَفِينَ : مفعوله الثاني
فِيهِ : متعلقان بما قبلهما والجملة صلة ما
فَالَّذِينَ : حرف استئناف ومبتدأ
آمِنُوا : ماض وفاعله والجملة صلة الذين
مِنْكُمْ : متعلقان بالفعل
وَأَنْفِقُوا : معطوف على آمنوا
لَهُمْ : خبر مقدم
أَجْرٌ : مبتدأ مؤخر
كَبِيرٌ : صفة أجر والجملة الاسمية خبر المبتدأ وجملة الذين .. استئنافية لا محل لها.
الحكم الكلمة من إلى
المدود - مد البدل آمنوا 1 1
المدود - مد الصلة الصغرى بالله ورسوله 2 3
الراء - تفخيم ورسوله 3 3
المدود - المد الطبيعي ورسوله 3 3
النون الساكنة والتنوين - إخفاء وأنفقوا 4 4
اللام - إظهار جعلكم 6 6
الميم الساكنة - إدغام متماثل جعلكم مستخلفين 6 7
المدود - المد الطبيعي مستخلفين 7 7
المدود - المد الطبيعي فيه 8 8
المدود - المد الطبيعي فالذين 9 9
المدود - اللازم الكلمي المثقل فالذين 9 9
النون الساكنة والتنوين - إخفاء منكم 11 11
الميم الساكنة - إظهار شفوي منكم وأنفقوا 11 12
اللام - إظهار وأنفقوا لهم 12 13
الميم الساكنة - إظهار شفوي لهم أجر 13 14
القلقلة - قلقلة صغرى أجر 14 14
النون الساكنة والتنوين - إخفاء أجر كبير 14 15
المدود - المد الطبيعي كبير 15 15