سورة الأحْقاف / الآية 21

رقم عام 4531
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ٢١
#الكلمةالمفردةالجذرالوزنسابقةلاحقة
1وَاذْكُرْاذكرذكرإفعلو
2أَخَاأخاأخوفعل
3عَادٍعادعودفاعل
4إِذْ
5أَنْذَرَأنذرنذرأفعل
6قَوْمَهُقومقومفعله
7بِالْأَحْقَافِأحقافحقفأفعالب ال
8وَقَدْقدو
9خَلَتِخلخلوفعت
10النُّذُرُنذرنذرفعلال
11مِنْمن
12بَيْنِبين
13يَدَيْهِيدييديفعله
14وَمِنْمنو
15خَلْفِهِخلفخلففعله
16أَلَّاألا
17تَعْبُدُواتعبدعبدتفعلوا
18إِلَّاإلا
19اللَّهَاللهألهفعل
20إِنِّيإني
21أَخَافُأخافخوفأفعل
22عَلَيْكُمْعلىكم
23عَذَابَعذابعذبفعال
24يَوْمٍيوميومفعل
25عَظِيمٍعظيمعظمفعيل

التفسير

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 21 الى 28]
وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لَا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (28)
قَوْلُهُ: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ أَيْ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ أَخَا عَادٍ، وَهُوَ هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، كَانَ أَخَاهُمْ فِي النَّسَبِ، لَا فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْهُ، أَيْ: وَقْتَ إِنْذَارِهِ إِيَّاهُمْ بِالْأَحْقافِ وَهِيَ دِيَارُ عَادٍ، جَمْعُ حِقْفٍ، وَهُوَ الرَّمْلُ الْعَظِيمُ الْمُسْتَطِيلُ الْمُعْوَجُّ، قَالَهُ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ، وَكَانُوا قَهَرُوا أَهْلَ الْأَرْضِ بِقُوَّتِهِمْ. وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُ أَنْ يَذْكُرَ لِقَوْمِهِ قِصَّتَهُمْ لِيَتَّعِظُوا وَيَخَافُوا، وَقِيلَ: أَمَرَهُ بِأَنْ يَتَذَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قِصَّتَهُمْ مَعَ هُودٍ لِيَقْتَدِيَ بِهِ، وَيَهُونَ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ قَوْمِهِ. قَالَ عَطَاءٌ: الْأَحْقَافُ: رِمَالُ بِلَادِ الشَّحْرِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هِيَ بِالْيَمَنِ فِي حضر موت. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ رِمَالٌ مَبْسُوطَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ كَهَيْئَةِ الْجِبَالِ، وَلَمْ تَبْلُغْ أَنْ تَكُونَ جِبَالًا وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَيْ: وَقَدْ مَضَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ وَمِنْ بَعْدِهِ، كَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ. وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ بعده» . وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ إِنْذَارِ هُودٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَالْمَعْنَى: أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ بُعِثُوا قَبْلَهُ وَالَّذِينَ سَيُبْعَثُونَ بَعْدَهُ كُلُّهُمْ مُنْذِرُونَ نَحْوَ إِنْذَارِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى كَلَامِ هُودٍ لِقَوْمِهِ، فَقَالَ حَاكِيًا عَنْهُ: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وَقِيلَ: إِنَّ جَعْلَ تِلْكَ الْجُمْلَةِ اعْتِرَاضِيَّةً أَوْلَى بِالْمَقَامِ وَأَوْفَقُ بِالْمَعْنَى قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا أَيْ: لِتَصْرِفَنَا عَنْ عِبَادَتِهَا، وَقِيلَ: لِتُزِيلَنَا، وَقِيلَ: لِتَمْنَعَنَا، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ عروة بن أذينة:
إن تلك عن أحسن الصنيعة «1» مأ ... فوكا فَفِي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا
يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُوَفَّقْ لِلْإِحْسَانِ فَأَنْتَ فِي قَوْمٍ قَدْ صُرِفُوا عَنْ ذَلِكَ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِي وَعْدِكَ لَنَا بِهِ قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أي: إنما العلم بوقت مجيئه عند
__________
(1) . الّذي في اللسان: المروءة.
(5/27)

اللَّهِ لَا عِنْدِي وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنَ الْإِنْذَارِ وَالْإِعْذَارِ، فَأَمَّا الْعِلْمُ بِوَقْتِ مَجِيءِ الْعَذَابِ فَمَا أَوْحَاهُ إِلَيَّ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ حَيْثُ بَقِيتُمْ مُصِرِّينَ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَلَمْ تَهْتَدُوا بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ، بَلِ اقْتَرَحْتُمْ عَلَيَّ مَا لَيْسَ مِنْ وَظَائِفِ الرُّسُلِ فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى «مَا» فِي قَوْلِهِ «بِمَا تَعِدُنَا» . وَقَالَ الْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ: الضَّمِيرُ فِي رَأَوْهُ يَعُودُ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: عارِضاً، فَالضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى السحاب، أي: فلما رأوا السحاب عارضا، فعارضا نُصِبَ عَلَى التَّكْرِيرِ، يَعْنِي التَّفْسِيرَ، وَسُمِّيَ السَّحَابُ عَارِضًا لِأَنَّهُ يَبْدُو فِي عَرْضِ السَّمَاءِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَارِضُ: السَّحَابُ يَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا وَانْتِصَابُ عَارِضًا عَلَى الْحَالِ أَوِ التَّمْيِيزِ مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ أَيْ:
مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أَوْدِيَتِهِمْ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَتْ عَادٌ قَدْ حُبِسَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ أَيَّامًا، فَسَاقَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ سَحَابَةً سَوْدَاءَ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ وَادٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْمَعْتَبُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمُ استبشروا، وقالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا أَيْ: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، وقوله: مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ صفة لعارض لِأَنَّ إِضَافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ لَا مَعْنَوِيَّةٌ، فَصَحَّ وَصْفُ النَّكِرَةِ بِهِ، وَهَكَذَا مُمْطِرُنَا، فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ أَجَابَ عَلَيْهِمْ هُودٌ، فَقَالَ: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ يَعْنِي مِنَ الْعَذَابِ حَيْثُ قَالُوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا وَقَوْلُهُ: رِيحٌ بَدَلٌ مِنْ مَا، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَجُمْلَةُ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ صفة لريح، وَالرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِهَا نَشَأَتْ مِنْ ذَلِكَ السَّحَابِ الَّذِي رَأَوْهُ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها هذه الجملة صفة ثانية لريح، أَيْ: تُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ مَرَّتْ بِهِ مِنْ نُفُوسِ عَادٍ وَأَمْوَالِهَا، وَالتَّدْمِيرُ: الْإِهْلَاكُ، وَكَذَا الدَّمَارُ، وَقُرِئَ يَدْمُرُ بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً وَسُكُونِ الدَّالِ وَضَمِّ الْمِيمِ وَرَفْعِ كُلُّ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ مِنْ دَمَرَ دَمَارًا. وَمَعْنَى بِأَمْرِ رَبِّها أَنَّ ذَلِكَ بِقَضَائِهِ وقدره فأصبحوا لا ترى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ أَيْ: لَا تَرَى أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ أَوْ كُلُّ مَنْ يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ إِلَّا مَسَاكِنَهُمْ بَعْدَ ذَهَابِ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ لَا تَرى بِالْفَوْقِيَّةِ عَلَى الْخِطَابِ، وَنَصْبِ مَسَاكِنَهُمْ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ بِالتَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَرَفْعِ «مَسَاكِنُهُمْ» . قَالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْنَاهُ لَا يُرَى أَشْخَاصُهُمْ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ، وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالزَّجَّاجُ: مَعْنَاهَا لَا يُرَى شَيْءٌ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْنَى، كَمَا تَقُولُ: مَا قَامَ إِلَّا هِنْدٌ، وَالْمَعْنَى: مَا قَامَ أَحَدٌ إِلَّا هِنْدٌ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَجَاءَتْهُمُ الرِّيحُ فَدَمَّرَتْهُمْ فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الْجَزَاءِ نَجْزِي هَؤُلَاءِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ قَالَ الْمُبَرِّدُ:
«مَا» فِي قَوْلِهِ فِيمَا بمنزلة الّذي وإن بِمَنْزِلَةِ مَا: يَعْنِي النَّافِيَةَ، وَتَقْدِيرُهُ: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الَّذِي مَا مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ مِنَ الْمَالِ وَطُولِ الْعُمْرِ وَقُوَّةِ الْأَبْدَانِ، وَقِيلَ: إِنْ زَائِدَةٌ، وتقديره: ولقد مكناهم فيما مكناهم فيه، وبه قال القتبي، ومثله قول الشاعر «1» :
فما إن طبّنا «2» جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
__________
(1) . هو فروة بن مسيك المرادي.
(2) . «الطب» : الشأن والعادة والشهوة والإرادة.
(5/28)

وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّوْبِيخِ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ وَأَمْثَالِهِمْ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً أَيْ:
إِنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الْحُجَّةِ وَالتَّذَكُّرِ مَعَ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْحَوَاسِّ الَّتِي تدرك بها الْأَدِلَّةُ، وَلِهَذَا قَالَ:
فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أَيْ: فَمَا نَفَعَهُمْ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَصِحَّةِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنَ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهِ إِفْرَادِ السَّمْعِ وَجَمْعِ الْبَصَرِ مَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ، وَ «مِنْ» فِي مِنْ شَيْءٍ زائدة، والتقدير: فما أغنى عنهم شيئا مِنَ الْإِغْنَاءِ وَلَا نَفَعَهُمْ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ النَّفْعِ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأَغْنَى، وَفِيهَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ، أَيْ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْحَدُونَ وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أَيْ: أَحَاطَ بِهِمُ الْعَذَابُ الَّذِي كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ حَيْثُ قَالُوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا. وَلَقَدْ أَهْلَكْنا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى الْخِطَابُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَالْمُرَادُ بِمَا حَوْلَهُمْ مِنَ الْقُرَى قرى ثمود، وقرى لوط، ونحو هما مِمَّا كَانَ مُجَاوِرًا لِبِلَادِ الْحِجَازِ، وَكَانَتْ أَخْبَارُهُمْ مُتَوَاتِرَةً عِنْدَهُمْ وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أَيْ: بَيَّنَّا الْحُجَجَ وَنَوَّعْنَاهَا لِكَيْ يَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْصُرْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ نَاصِرٌ فَقَالَ: فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً أَيْ: فَهَلَّا نَصَرَهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِهَا بِزَعْمِهِمْ إِلَى اللَّهِ لِتَشْفَعَ لَهُمْ، حَيْثُ قَالُوا: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ وَمَنَعَتْهُمْ مِنَ الْهَلَاكِ الْوَاقِعِ بِهِمْ.
قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْقُرْبَانُ: كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ مِنْ طَاعَةٍ وَنَسِيكَةٍ، وَالْجَمْعُ قَرَابِينُ، كَالرُّهْبَانِ وَالرَّهَابِينِ، وَأَحَدُ مَفْعُولَيِ «اتَّخَذُوا» ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى الْمَوْصُولِ، وَالثَّانِي آلِهَةً، وقربانا حَالٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قُرْبَانًا مَفْعُولًا ثانيا، وآلهة بَدَلًا مِنْهُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، وَقِيلَ: يَصِحُّ ذَلِكَ وَلَا يَفْسُدُ الْمَعْنَى، وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَأَبُو الْبَقَاءِ وَأَبُو حَيَّانَ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَعْنَى فَسَادٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ أَيْ: غَابُوا عَنْ نَصْرِهِمْ وَلَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمْ، وَقِيلَ: بَلْ هَلَكُوا، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي «ضَلُّوا» رَاجِعٌ إِلَى الْكُفَّارِ، أَيْ: تركوا الأصنام وتبرّؤوا مِنْهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَذلِكَ إِلَى ضَلَالِ آلِهَتِهِمْ. وَالْمَعْنَى:
وَذَلِكَ الضَّلَالُ وَالضَّيَاعُ أَثَرُ إِفْكُهُمْ الَّذِي هُوَ اتِّخَاذُهُمْ إِيَّاهَا آلِهَةً وَزَعْمِهِمْ أَنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ: إِفْكُهُمْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ مَصْدَرُ أَفِكَ يَأْفِكُ إِفْكًا، أَيْ: كَذِبِهِمْ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ وَالْكَافِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ، أَيْ: ذَلِكَ الْقَوْلُ صَرَفَهُمْ عَنِ التَّوْحِيدِ.
وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ، أَيْ: صَيَّرَهُمْ آفِكِينَ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يَعْنِي قَلَبَهُمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْفَاءِ، بِمَعْنَى صَارِفِهِمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى إِفْكُهُمْ، أَيْ: وَأَثَرُ افْتِرَائِهِمْ أَوْ أَثَرُ الَّذِي كَانُوا يَفْتَرُونَهُ. وَالْمَعْنَى: وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ، أَيْ: كَذِبُهُمُ الَّذِي كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَتَشْفَعُ لَهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ أَيْ: يَكْذِبُونَ أَنَّهَا آلِهَةٌ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَحْقَافُ: جَبَلٌ بِالشَّامِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا قَالَ: هُوَ السَّحَابُ. وَأَخْرَجَ البخاريّ ومسلم وغير هما عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إنما كان
(5/29)

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)
يَتَبَسَّمُ، وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ، قَالَ: يَا عَائِشَةُ: وَمَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، فَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ:
لَا أَدْرِي، لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ «السَّحَابِ» ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي «الْعَظَمَةِ» ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، فَأَوَّلَ مَا عَرَفُوا أَنَّهُ عَذَابٌ رَأَوْا مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ رِجَالِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ تَطِيرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ دَخَلُوا بُيُوتَهُمْ وَغَلَّقُوا أَبْوَابَهُمْ، فَجَاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أَبْوَابَهُمْ وَمَالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ، فَكَانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا لَهُمْ أَنِينٌ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وَطَرَحَتْهُمْ فِي الْبَحْرِ، فَهُوَ قَوْلُهُ:
فَأَصْبَحُوا لَا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا قَدْرَ خَاتَمِي هَذَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ يَقُولُ: لَمْ نُمَكِّنْكُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْآيَةِ قَالَ:
عَادٌ مُكِّنُوا فِي الْأَرْضِ أَفْضَلَ مِمَّا مُكِّنَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَكَانُوا أشدّ قوة وأكثر أموالا وأطول أعمارا.

الترجمات

PICKTHAL And make mention (O Muhammad) of the brother of A'ad when he warned his folk among the wind-curved sandhills - and verily warners came and went before and after him - saying: Serve none but Allah. Lo! I fear for you the doom of a tremendous Day.
YUSUFALI Mention (Hud) one of 'Ad's (own) brethren: Behold; he warned his people about the winding Sand-tracts: but there have been warners before him and after him: "Worship ye none other than Allah: Truly I fear for you the Penalty of a Mighty Day."
SHAKIR And mention the brother of Ad; when he warned his people in the sandy plains;-- and indeed warners came before him and after him-- saying Serve none but Allah; surely I fear for you the punishment of a grievous day.
Haroon21. Mention (Hud) one of 'Ad's (own) brethren: Behold; he warned his people about the winding Sand-tracts: but there have been warners before him and after him: "Worship ye none other than Allah. Truly I fear for you the Penalty of a Mighty Day."
Turky21 Ey Muhammed! ?d kavminin kardesi Hud'u hatirla. Hani O; Ahk?f denilen yerde kavmini uyarmisti. O'ndan ?nce ve sonra da nice peygamberler gelip ge?mistir. Hud; kavmine: "Allah'tan baskasina kulluk etmeyin. ??nk? ben sizin i?in b?y?k bir g?n?n azabindan korkuyorum." demisti.
وَ اذْكُرْ : الواو حرف استئناف وأمر فاعله مستتر
أَخا : مفعول به
عادٍ : مضاف إليه والجملة مستأنفة
إِذْ : بدل من أخا عاد
أَنْذَرَ : ماض
قَوْمَهُ : مفعول به والفاعل مستتر والجملة في محل جر بالإضافة
بِالْأَحْقافِ : متعلقان بمحذوف حال
وَ قَدْ : الواو حالية وقد حرف تحقيق
خَلَتِ النُّذُرُ : ماض وفاعله والجملة حال
مِنْ بَيْنِ : متعلقان بخلت
يَدَيْهِ : مضاف إليه
وَ مِنْ خَلْفِهِ : عطف على ما قبلهما
أَلَّا تَعْبُدُوا : أن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولا ناهية ومضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعله والمصدر المؤول من أن والفعل في محل جر بحرف جر محذوف والجار والمجرور متعلقان بأنذر
أَلَّا : حرف حصر
اللَّهَ : مفعول به
إِنِّي : إن واسمها
أَخافُ : مضارع مرفوع فاعله مستتر والجملة خبر إن والجملة الاسمية تعليل للعبادة
عَلَيْكُمْ : متعلقان بالفعل
عَذابَ :
مفعول به
يَوْمٍ : مضاف إليه
عَظِيمٍ : صفة.
الحكم الكلمة من إلى
المدود - المد الطبيعي واذكر 1 1
الراء - ترقيق واذكر أخا 1 2
المدود - المد الطبيعي عاد 3 3
النون الساكنة والتنوين - إخفاء أنذر 5 5
الراء - تفخيم أنذر 5 5
المدود - مد اللين قومه 6 6
المدود - مد الصلة الصغرى قومه بالأحقاف 6 7
المدود - المد الطبيعي بالأحقاف 7 7
القلقلة - قلقلة صغرى وقد 8 8
القلقلة - قلقلة وسطى وقد خلت 8 9
اللام - إظهار خلت 9 9
اللام - إدغام خلت النذر 9 10
الراء - تفخيم النذر 10 10
النون الساكنة والتنوين - إقلاب من بين 11 12
المدود - مد الصلة الصغرى يديه ومن 13 14
المدود - مد الصلة الكبرى خلفه ألا 15 16
اللام - إظهار إلا 18 18
اللام - إدغام إلا الله 18 19
المدود - الجائز المنفصل إني أخاف 20 21
الميم الساكنة - إظهار شفوي عليكم عذاب 22 23
المدود - المد الطبيعي عذاب 23 23
النون الساكنة والتنوين - إظهار يوم عظيم 24 25
المدود - المد الطبيعي عظيم 25 25