سورة النَّحْل / الآية 33

رقم عام 1934
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٣٣
#الكلمةالمفردةالجذرالوزنسابقةلاحقة
1هَلْ
2يَنْظُرُونَينظرنظريفعلون
3إِلَّاإلا
4أَنْأن
5تَأْتِيَهُمُتأتيأتيتفعلهم
6الْمَلَائِكَةُملائكةملكفعائلةال
7أَوْ
8يَأْتِيَيأتيأتييفعل
9أَمْرُأمرأمرفعل
10رَبِّكَربرببفعلك
11كَذَلِكَذلكك
12فَعَلَفعلفعلفعل
13الَّذِينَالذين
14مِنْمن
15قَبْلِهِمْقبلهم
16وَمَاماو
17ظَلَمَهُمُظلمظلمفعلهم
18اللَّهُاللهألهفعل
19وَلَكِنْلكنو
20كَانُواكانكونفعلوا
21أَنْفُسَهُمْأنفسنفسأفعلهم
22يَظْلِمُونَيظلمظلميفعلون

التفسير

[سورة النحل (16) : الآيات 33 الى 40]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (34) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (35) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (37)
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (39) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)
(3/192)

قوله: لْ يَنْظُرُونَ
الْآيَةَ هَذَا جَوَابُ شُبْهَةٍ أُخْرَى لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُمْ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ مَلَكًا مِنَ السَّمَاءِ يَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ فِي ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ، فقال: هل ينظرون في تصديق نبوتك لَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ
شَاهِدِينَ بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ لَمَّا طَعَنُوا فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ أساطير الأوّلين أوعدهم الله بقوله: لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ
لَقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
أَيْ: عَذَابُهُ فِي الدُّنْيَا الْمُسْتَأْصِلُ لَهُمْ، أَوِ الْمُرَادُ بِأَمْرِ اللَّهِ الْقِيَامَةُ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَابْنُ وَثَّابٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ «إلا أن يأتيهم الْمَلَائِكَةُ» بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِمْ يَنْظُرُونَ- أَيْ: يَنْتَظِرُونَ إِتْيَانَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ إِتْيَانَ أَمْرِ اللَّهِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْآخَرِ- أَنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوا فِعْلَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَصَارَ مُنْتَظِرًا لَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ ولا يصدّقونه ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أَيْ: مِثْلَ فِعْلِ هَؤُلَاءِ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ فَعَلَ الَّذِينَ خَلَوْا مَنْ قَبْلِهِمْ مِنْ طَوَائِفِ الكفار، فأتاهم أمر الله فهلكوا ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
بِتَدْمِيرِهِمْ بِالْعَذَابِ فَإِنَّهُ أَنْزَلَ بِهِمْ ما استحقّوه بكفرهم لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
بِمَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْقَبَائِحِ، وَفِيهِ أَنَّ ظُلْمَهُمْ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ مَا إليه يؤول، وَجُمْلَةُ فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ مَا عَمِلُوا مَعْطُوفَةٌ عَلَى فِعْلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ، وَالْمَعْنَى: فَأَصَابَهُمْ جَزَاءُ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِمْ، أَوْ جَزَاءُ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ وَحاقَ بِهِمْ أَيْ: نَزَلَ بِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْإِحَاطَةِ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أَيِ: الْعَذَابُ الَّذِي كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَوْ عِقَابُ اسْتِهْزَائِهِمْ وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ كُفْرِهِمُ الَّذِي حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالَّذِينِ أَشْرَكُوا هُنَا أَهْلُ مَكَّةَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ أَيْ: لَوْ شَاءَ عَدَمَ عِبَادَتِنَا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ مَا عَبَدْنَا ذَلِكَ نَحْنُ وَلا آباؤُنا الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ الْآنَ مِنْ دِينِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ بِاللَّهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّهُمْ قَالُوا هَذَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ، وَلَوْ قَالُوهُ عَنِ اعْتِقَادٍ لَكَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ السَّوَائِبِ وَالْبَحَائِرِ وَنَحْوِهِمَا، وَمَقْصُودُهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَشِيئَةِ الطَّعْنُ فِي الرِّسَالَةِ، أَيْ: لَوْ كَانَ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ حَقًّا مِنَ الْمَنْعِ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَالْمَنْعِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، حَاكِيًا ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ لَمْ يَقَعْ مِنَّا مَا يُخَالِفُ مَا أَرَادَهُ مِنَّا فَإِنَّهُ قَدْ شَاءَ ذَلِكَ، وَمَا شَاءَهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْهُ لَمْ يَكُنْ، فَلَمَّا وَقَعَ مِنَّا الْعِبَادَةُ لِغَيْرِهِ وَتَحْرِيمُ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُطَابِقُ لِمُرَادِهِ وَالْمُوَافِقُ لِمَشِيئَتِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ وَلَا يُقِرُّونَ بِهِ، لَكِنَّهُمْ قَصَدُوا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الطَّعْنِ على الرسل ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
مِنْ طَوَائِفِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ، وَحَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ، وجادلوا رسله بالباطل، واستهزءوا بِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ بِمَا شَرَعَهُ لَهُمْ مِنْ شَرَائِعِهِ الَّتِي رَأْسُهَا تَوْحِيدُهُ، وَتَرْكُ الشِّرْكِ بِهِ إِلَّا الْبَلاغُ إِلَى مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ بِمَا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ بَلَاغًا وَاضِحًا يَفْهَمُهُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَكَّدَ هَذَا وَزَادَهُ إِيضَاحًا فَقَالَ: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا كَمَا بَعَثْنَا فِي هَؤُلَاءِ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «1» ،
__________
(1) . الْإِسْرَاءِ: 15.
(3/193)

وَ «أَنِ» فِي قَوْلِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ إِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: بَعَثْنَا بِأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، أَوْ مُفَسِّرَةٌ لِأَنَّ فِي الْبَعْثِ مَعْنَى الْقَوْلِ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أَيِ: اتْرُكُوا كُلَّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ كَالشَّيْطَانِ وَالْكَاهِنِ وَالصَّنَمِ وَكُلِّ مَنْ دَعَا إِلَى الضَّلَالِ فَمِنْهُمْ أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا رُسُلَهُ مَنْ هَدَى اللَّهُ أَيْ: أَرْشَدَهُ إِلَى دِينِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ وَاجْتِنَابِ الطَّاغُوتِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ أَيْ: وَجَبَتْ وَثَبَتَتْ لِإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِالْأَمْرِ بِالْعِبَادَةِ، وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ الْإِضْلَالِ وَالْهِدَايَةِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ «1» . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ جَمِيعَ عِبَادِهِ بِعِبَادَتِهِ، وَاجْتِنَابِ الشَّيْطَانِ وَكُلِّ مَا يَدْعُو إِلَى الضَّلَالِ، وَأَنَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرِيقَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مُوَافَقَةَ إِرَادَتِهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ الْكُلَّ بِالْإِيمَانِ، وَلَا يُرِيدُ الْهِدَايَةَ إِلَّا لِلْبَعْضِ، إِذْ لَوْ أَرَادَهَا لِلْكُلِّ لَمْ يَكْفُرْ أَحَدٌ، وَهَذَا مَعْنَى مَا حَكَيْنَاهُ عَنِ الزَّجَّاجِ هُنَا فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ سَيْرَ مُعْتَبِرِينَ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ عِنْدَ مُشَاهَدَتِكُمْ لِآثَارِهِمْ كَعَادٍ وَثَمُودَ، أَيْ: كَيْفَ صَارَ آخِرُ أَمْرِهِمْ إِلَى خَرَابِ الدِّيَارِ بَعْدَ هَلَاكِ الْأَبْدَانِ بِالْعَذَابِ، ثُمَّ خَصَّصَ الْخِطَابَ بِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَكِّدًا لِمَا تَقَدَّمَ، فَقَالَ: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ أَيْ: تَطْلُبْ بِجُهْدِكَ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ «لَا يَهْدِي» بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ مُسْتَقْبَلٍ مُسْنَدٍ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، أَيْ: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرْشِدُ مَنْ أَضَلَّهُ، وَ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَا يُهْدَى» بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ «2» ، وَاخْتَارَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِ هَادٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهَا نَائِبُ الْفَاعِلِ الْمَحْذُوفِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ كَقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ «3» ، وَالْعَائِدُ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ مَحْذُوفٌ، أَيْ: مَنْ يُضِلُّهُ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ الْفَرَّاءِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى أَنَّ مَعْنَى لَا يَهْدِي لَا يَهْتَدِي، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى «4» ، بِمَعْنَى يَهْتَدِي. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا غَيْرَ الْفَرَّاءِ، وَلَيْسَ بِمُتَّهَمٍ فِيمَا يَحْكِيهِ. قَالَ النَّحَّاسَ: حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْمُبَرِّدِ:
كَأَنَّ مَعْنَى لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ وَسَبَقَ لَهُ عِنْدَهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يَنْصُرُونَهُمْ عَلَى الْهِدَايَةِ لِمَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ أَوْ يَنْصُرُونَهُمْ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ عِنَادَ قُرَيْشٍ وَإِنْكَارَهُمْ لِلْبَعْثِ فَقَالَ:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ: جَاهِدِينَ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ عِبَادِهِ، زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَاجِزٌ عَنْ بَعْثِ الْأَمْوَاتِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا هَذَا إِثْبَاتٌ لِمَا بَعْدَ النَّفْيِ، أَيْ: بَلَى يَبْعَثُهُمْ، وَ «وَعْداً» مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ بَلَى وَهُوَ يَبْعَثُهُمْ لِأَنَّ الْبَعْثَ وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ وَعَدَ عِبَادَهُ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَعَدَ الْبَعْثَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا لَا خلف فيه، وحقا صِفَةٌ لِوَعْدٍ، وَكَذَا «عَلَيْهِ» فَإِنَّهُ صِفَةٌ لِوَعْدٍ، أَيْ: كَائِنًا عَلَيْهِ، أَوْ نُصِبَ حَقًّا عَلَى المصدرية، أي: حق حقا
__________
(1) . الأعراف: 30.
(2) . يراجع في ذلك زاد المسير (4/ 446) .
(3) . الأعراف: 186.
(4) . يونس: 35.
(3/194)

وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ غَيْرُ عَسِيرٍ. وَقَوْلُهُ: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ أَيْ:
لِيُظْهِرَ لَهُمْ، وَهُوَ غَايَةٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ بَلَى مِنَ الْبَعْثِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهُمُ رَاجِعٌ إِلَى مَنْ يَمُوتُ، وَالْمَوْصُولُ فِي قَوْلِهِ: الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ لِيُبَيِّنَ، أَيِ: الْأَمْرُ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِيهِ، وَبَيَانُهُ إِذْ ذَاكَ يَكُونُ بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ كُتُبُ اللَّهِ وَقِيلَ: إِنَّ لِيُبَيِّنَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ:
وَلَقَدْ بَعَثْنا أَيْ: بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا لِيُبَيِّنَ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَأَنْكَرُوا الْبَعْثَ أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ فِي جِدَالِهِمْ وَإِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ بِقَوْلِهِمْ: لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ وَجُمْلَةُ إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْإِبْدَاءِ وَالْإِعَادَةِ بَعْدَ بَيَانِ سُهُولَةِ الْبَعْثِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَعْلَمَهُمْ بِسُهُولَةِ خَلْقِ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَتَى أَرَادَ الشَّيْءَ كَانَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1» ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ «فَيَكُونَ» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَنْ نَقُولَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى جَوَابِ كُنْ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: فَهُوَ يَكُونُ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَوْقَعَ لَفْظَ الشَّيْءِ عَلَى الْمَعْلُومِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ الْخَلْقِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا قَدْ وُجِدَ وَشُوهِدَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنْ مَعْنَى «لِشَيْءٍ» لِأَجْلِ شَيْءٍ، فَجَعَلَ اللَّامَ سَبَبِيَّةً وَقِيلَ: هِيَ لَامُ التَّبْلِيغِ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: قُلْتُ له قم فقام، وإِنَّما قَوْلُنا مبتدأ وأَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ خَبَرُهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ عَلَى مَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَأَنَّ وُجُودَهُ عِنْدَ إِرَادَتِهِ كَوُجُودِ الْمَأْمُورِيَّةِ عِنْدَ أَمْرِ الْآمِرِ الْمُطَاعِ إِذَا وَرَدَ عَلَى الْمَأْمُورِ الْمُطِيعِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ قَوْلٌ وَلَا مَقُولٌ لَهُ، وَلَا أَمْرٌ وَلَا مَأْمُورٌ، حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَحَدُ مُحَالَيْنِ: إِمَّا خِطَابُ الْمَعْدُومِ، أَوْ تَحْصِيلٌ لِحَاصِلٍ. وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مُسْتَوْفًى.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قوله: لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ
قَالَ: بِالْمَوْتِ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ «2» وهو ملك الموت، وله رسل وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ
وَذَاكُمْ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ قَالَ: مَنْ يُضِلُّهُ اللَّهُ لَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دَيْنٌ، فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ فَكَانَ فِيمَا تَكَلَّمَ بِهِ: وَالَّذِي أَرْجُوهُ بَعْدَ الْمَوْتِ إِنَّهُ لِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُ: إِنَّكَ لَتَزْعُمُ أَنَّكَ تُبْعَثُ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ جَهْدَ يَمِينِهِ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْعُقَيْلِيِّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ قَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ «3» .... وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبَّنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسُبَّنِي، وَكَذَّبَنِي
__________
(1) . البقرة: 117.
(2) . الأنفال: 50.
(3) . كذا في الدر المنثور.
(3/195)

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)
وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَالَ: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ وَقُلْتُ: بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَأَمَّا سَبُّهُ إِيَّايَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وَقُلْتُ: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا بِلَفْظٍ آخَرَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ يقول: للناس عامة.

الترجمات

PICKTHAL Await they aught say that the angels should come unto them or thy Lord's command should come to pass? Even so did those before them. Allah wronged them not; but they did wrong themselves;
YUSUFALI Do the (ungodly) wait until the angels come to them; or there comes the Command of thy Lord (for their doom)? So did those who went before them. But Allah wronged them not: nay; they wronged their own souls.
SHAKIR They do not wait aught but that the angels should come to them or that the commandment of your Lord should come to pass. Thus did those before them; and Allah was not unjust to them; but they were unjust to themselves.
Haroon33. Do the (ungodly) wait until the angels come to them; or there comes the Command of thy Lord (for their doom)? So did those who went before them. But Allah wronged them not: nay; they wronged their own souls.
Turky33 Ancak kendilerine ruhlarini alacak meleklerin gelmesini veya Rabbinin azab emrinin (kiyametin) gelip ?atmasini bekliyorlar! Kendilerinden ?ncekiler de b?yle yapmislardi. Allah onlara zulmetmedi; fakat onlar kendilerine zulmetmislerdi.

لا يوجد إعراب مرتبط بهذه الآية حاليًا.

الحكم الكلمة من إلى
اللام - إظهار هل 1 1
النون الساكنة والتنوين - إخفاء ينظرون 2 2
الراء - تفخيم ينظرون 2 2
المدود - المد الطبيعي ينظرون 2 2
اللام - إظهار إلا 3 3
المدود - الجائز المنفصل إلا أن 3 4
النون الساكنة والتنوين - إخفاء أن تأتيهم 4 5
المدود - المد الطبيعي تأتيهم 5 5
المدود - الواجب المتصل الملائكة 6 6
المدود - مد اللين أو 7 7
الميم الساكنة - إظهار شفوي أمر 9 9
القلقلة - قلقلة كبرى ربك 10 10
الراء - تفخيم ربك 10 10
المدود - المد الطبيعي الذين 13 13
النون الساكنة والتنوين - إخفاء من قبلهم 14 15
القلقلة - قلقلة صغرى قبلهم 15 15
الميم الساكنة - إظهار شفوي قبلهم وما 15 16
اللام - إدغام ظلمهم الله 17 18
المدود - مد الصلة الصغرى الله ولكن 18 19
النون الساكنة والتنوين - إخفاء ولكن كانوا 19 20
المدود - المد الطبيعي كانوا 20 20
النون الساكنة والتنوين - إخفاء أنفسهم 21 21
الميم الساكنة - إظهار شفوي أنفسهم يظلمون 21 22