سورة يُوسُف / الآية 89

رقم عام 1685
قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ٨٩
#الكلمةالمفردةالجذرالوزنسابقةلاحقة
1قَالَقالقولفعل
2هَلْ
3عَلِمْتُمْعلمعلمفعلتم
4مَا
5فَعَلْتُمْفعلفعلفعلتم
6بِيُوسُفَيوسفب
7وَأَخِيهِأخيأخوفعلوه
8إِذْ
9أَنْتُمْأنتم
10جَاهِلُونَجاهلجهلفاعلون

التفسير

[سورة يوسف (12) : الآيات 89 الى 98]
قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (91) قالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (97) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)
__________
(1) . كذا في تفسير ابن جرير وابن كثير والمطبوع، ولعل الصواب (الشنّ) وهو القربة الخلق الصغيرة يكون الماء فيها أبرد من غيرها.
(3/61)

الِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: هَلْ عَلِمْتُمْ لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ، وَقَدْ كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَعْظِيمُ الْوَاقِعَةِ لِكَوْنِهِ فِي قُوَّةِ مَا أَعْظَمَ الْأَمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ، وَمَا أَقْبَحَ مَا أَقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ؟ كَمَا يُقَالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَنْ عَصَيْتَ؟ وَالَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَمَّا مَا فَعَلُوا بِأَخِيهِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ مَا أَدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الْغَمِّ بِفِرَاقِ أَخِيهِ يُوسُفَ، وَمَا كَانَ يَنَالُهُ مِنْهُمْ مِنَ الِاحْتِقَارِ وَالْإِهَانَةِ، وَلَمْ يَسْتَفْهِمْهُمْ عَمَّا فَعَلُوا بأبيهم يَعْقُوبَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ نَالَهُ مِنْهُمْ مَا قصّه فِيمَا سَبَقَ مِنْ صُنُوفِ الْأَذَى. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَاهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْغَمِّ بِفِرَاقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَرَفْعًا مِنْ قَدْرِهِ، وَعِلْمًا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَلَاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِيَزِيدَ فِي دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ نَفَى عنهم العلم وأثبت لهم صفة الجهل لأنهم لم يعملوا بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ، وَقِيلَ:
إِنَّهُ أَثْبَتَ لَهُمْ صِفَةَ الْجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذَارِ عَنْهُمْ وَتَخْفِيفِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أَقْدَمْتُمْ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ الْمُنْكَرِ وَقْتَ عَدَمِ عِلْمِكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ وَقُصُورِ مَعَارِفِكُمْ عَنْ عَاقِبَتِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ فِي أَوَانِ الصِّبَا وَزَمَانِ الصِّغَرِ، اعْتِذَارًا لَهُمْ وَدَفْعًا لِمَا يَدْهَمُهُمْ مِنَ الْخَجَلِ وَالْحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وَعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ الوقت كبارا قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «إِنَّكَ» عَلَى الْخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهَامٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ التقديري، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ وَالِاسْتِغْرَابِ، قِيلَ:
سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهُمْ: مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وَفَهِمُوا أَنَّهُ لَا يُخَاطِبُهُمْ بِمِثْلِ هَذَا إِلَّا هُوَ وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُمْ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ وَضَعَ التَّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ وَقِيلَ: أَنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَنَايَاهُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي أَجَابَهُمْ بِالِاعْتِرَافِ بِمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَظْهَرَ الِاسْمَ فَقَالَ أَنَا يُوسُفُ وَلَمْ يَقُلْ أَنَا هُوَ، تَعْظِيمًا لِمَا وَقَعَ بِهِ مِنْ ظُلْمِ إِخْوَتِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا الْمَظْلُومُ الْمُسْتَحَلُّ مِنْهُ الْمُحَرَّمُ الْمُرَادُ قَتْلُهُ. فَاكْتَفَى بِإِظْهَارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَقَالَ: وَهَذَا أَخِي مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ وَلَا يُنْكِرُونَهُ لِأَنَّ قَصْدَهُ وَهَذَا أَخِي الْمَظْلُومُ كَظُلْمِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِالْخَلَاصِ عمّا ابْتُلِينَا بِهِ وَقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِكُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقِيلَ: بِالْجَمْعِ بَيْنَنَا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ إِرَادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ شَرْطِيَّةٌ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي يَتَّقِي. كَمَا فِي قول الشاعر:
إ لم يَأْتِيكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادٍ
وَقِيلَ: إِنَّهُ جَعَلَ مَنْ مَوْصُولَةً لَا شَرْطِيَّةً، وَهُوَ بَعِيدٌ. وَالْمَعْنَى: إِنَّهُ مَنْ يَفْعَلُ التَّقْوَى أَوْ يَفْعَلُ مَا يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويصير عَلَى الْمَصَائِبِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ عَلَى الْعُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يُفِيدُهُ السِّيَاقُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَجَاءَ بِالظَّاهِرِ، وَكَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، أَيْ: أَجْرَهُمْ لِلدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوَى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الْإِحْسَانِ قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا أَيْ لَقَدِ اخْتَارَكَ وَفَضَّلَكَ عَلَيْنَا بِمَا خَصَّكَ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِفَضْلِهِ وَعَظِيمِ قَدْرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونُوا أنبياء، فإنّ
(3/62)

دَرَجَ الْأَنْبِيَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ «1» . وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ أَيْ: وَإِنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قال أبو عبيدة: خطىء وَأَخْطَأَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْمُخْطِئُ مَنْ أَرَادَ الصَّوَابَ فَصَارَ إِلَى غَيْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ: الْمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَالْخَاطِئُ مَنْ تَعَمَّدَ مَا لَا يَنْبَغِي. قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرَافِ بِالْخَطَأِ وَالذَّنْبِ اسْتِجْلَابًا لِعَفْوِهِ وَاسْتِجْذَابًا لِصَفْحِهِ قالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ التَّثْرِيبُ: التَّعْيِيرُ وَالتَّوْبِيخُ أَيْ: لَا تَعْيِيرَ وَلَا تَوْبِيخَ، وَلَا لَوْمَ عَلَيْكُمْ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى لَا إِفْسَادَ لِمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْحُرْمَةِ وَحَقِّ الْأُخُوَّةِ، وَلَكُمْ عِنْدِي الصُّلْحُ وَالْعَفْوُ، وَأَصْلُ التَّثْرِيبِ الْإِفْسَادُ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَعْنَاهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكُمْ تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرَافِكُمْ بِالذَّنْبِ. قَالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ إِذَا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وَأَصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وَهُوَ الشَّحْمُ الَّذِي هُوَ غَاشِيَةُ الْكَرِشِ، وَمَعْنَاهُ إِزَالَةُ التَّثْرِيبِ، كَمَا أَنَّ التَّجْلِيدَ وَالتَّقْرِيعَ إِزَالَةُ الْجِلْدِ وَالْقَرَعِ وَانْتِصَابُ الْيَوْمَ بِالتَّثْرِيبِ أَيْ: لَا أُثَرِّبُ عَلَيْكُمْ أَوْ مُنْتَصِبٌ بِالْعَامِلِ الْمُقَدَّرِ فِي عَلَيْكُمْ وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ أَوْ ثَابِتٌ أَوْ نَحْوُهُمَا، أَيْ: لَا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أَوْ ثَابِتٌ عَلَيْكُمْ. وَقَدْ جَوَّزَ الْأَخْفَشُ الْوَقْفَ عَلَى عَلَيْكُمُ فَيَكُونُ الْيَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، ثُمَّ دَعَا لَهُمْ بِقَوْلِهِ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْوَقْفِ عَلَى الْيَوْمَ، أَوْ أَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى تَقْدِيرِ الْوَقْفِ عَلَى عَلَيْكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يَرْحَمُ عِبَادَهُ رَحْمَةً لَا يَتَرَاحَمُونَ بِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَيُجَازِي مُحْسِنَهُمْ وَيَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا قِيلَ: هَذَا الْقَمِيصُ هُوَ الْقَمِيصُ الَّذِي أَلْبَسَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَكَسَاهُ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ، وَكَسَاهُ إِسْحَاقُ يَعْقُوبَ. وَكَانَ يَعْقُوبُ أَدْرَجَ هذا القميص في صبة «2» وَعَلَّقَهُ فِي عُنُقِ يُوسُفَ لَمَّا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَيْنِ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أَنْ يُرْسِلَ بِهِ إِلَى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأَنَّ فِيهِ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَرِيحُ الْجَنَّةِ لَا يَقَعُ عَلَى سَقِيمٍ إِلَّا شُفِيَ وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عُوفِيَ فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً أي يصير بَصِيرًا، عَلَى أَنَّ «يَأْتِ» هِيَ الَّتِي مِنْ أَخَوَاتِ كَانَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وَقَالَ السدّي: يعود بَصِيرًا.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: يَأْتِ إِلَيَّ إِلَى مِصْرَ وَهُوَ بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْعَمَى، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ أَيْ جَمِيعِ مَنْ شَمَلَهُ لَفْظُ الْأَهْلِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ، قِيلَ: كَانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ أَيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ. يُقَالُ: فَصَلَ فُصُولًا، وَفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَيُقَالُ: فَصَلَ مِنَ الْبَلَدِ فُصُولًا: إِذَا انْفَصَلَ عَنْهُ وَجَاوَزَ حِيطَانَهُ قالَ أَبُوهُمْ أَيْ يَعْقُوبُ لِمَنْ عِنْدَهُ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ مِنْ أَهْلِهِ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ قِيلَ: إِنَّهَا هَاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ الْقَمِيصَ إِلَى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ الْمَسَافَةِ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا وَجَدَ. ثُمَّ قَالَ: لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ لَوْلَا أَنْ تَنْسُبُونِي إِلَى الْفَنَدِ، وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ مِنَ الْهَرَمِ، يُقَالُ أَفْنَدَ الرَّجُلُ: إِذَا خَرِفَ وَتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الْفَنَدَ السَّفَهَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَوْلَا أَنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الْفَنَدَ الْجَهْلَ، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قال إنه السفه قول النابغة:
__________
(1) . البقرة: 253.
(2) . في تفسير القرطبي (9/ 258) : قصبة من فضة.
(3/63)

إِلَّا سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ الْمَلِيكُ لَهُ ... قُمْ فِي الْبَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنِ الْفَنَدِ
أَيِ امْنَعْهَا عن السّفه. وقال أبو عمرو الشَّيْبَانِيُّ: التَّفْنِيدُ: التَّقْبِيحُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَا صاحبيّ دعا لومي وتفنيدي ... فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أَمْرِي بِمَرْدُودِ
وَقِيلَ: هُوَ الْكَذِبُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
هَلْ فِي افْتِخَارِ الْكَرِيمِ مِنْ أَوَدٍ «1» ... أَمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِنْ فَنَدِ
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ لَوْلَا أَنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وَضَعْفُ الرَّأْيِ. وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي رَاجِعٌ إِلَى التَّعْجِيزِ وَتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقَالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا: إذا أعجزه، وأفند: إذا تكلم بالخطإ، والفند: الخطأ في الْكَلَامِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ عَلَى اللَّوْمِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَا عَاذِلَيَّ دَعَا الْمَلَامِ وَأَقْصِرَا ... طَالَ الْهَوَى وَأَطَلْتُمَا التَّفْنِيدَا
أَخْبَرَهُمْ يَعْقُوبُ بِأَنَّ الصَّبَا قَدْ حَمَلَتْ إِلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا مَا يَخْشَاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَمَا شَكَّ فِي ذَلِكَ:
فَإِنَّ الصَّبَا رِيحٌ إِذَا مَا تَنَفَّسَتْ ... عَلَى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُهَا
إِذَا قُلْتُ هَذَا حِينَ أَسْلُو يُهَيِّجُنِي ... نَسِيمُ الصَّبَا مِنْ حَيْثُ مَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ
وَلَقَدْ تَهُبُّ لي الصّبا من أرضها ... فيلذّ مسّ هبوبها وَيُطِيبُ
قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ أَيْ قَالَ الْحَاضِرُونَ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِهِ: إِنَّكَ يَا يَعْقُوبُ لَفِي ذَهَابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِنْ إِفْرَاطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لَا تَنْسَاهُ، وَلَا تَفْتُرُ عَنْهُ، وَلِسَانُ حَالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهُمْ:
لَا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إِلَّا مَنْ يُكَابِدُهُ ... وَلَا الصَّبَابَةَ إِلَّا مَنْ يُعَانِيهَا
لَا تَعْذِلِ الْمُشْتَاقَ فِي أَشْوَاقِهِ ... حَتَّى تَكُونَ حَشَاكَ فِي أَحْشَائِهِ
وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِنَّكَ لَفِي جُنُونِكَ الْقَدِيمِ، وَقِيلَ: فِي مَحَبَّتِكَ الْقَدِيمَةِ. قَالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهُمْ قُدُومُ الْبَشِيرِ فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الْبَشِيرُ: هُوَ يَهُوذَا بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: أَنَا جِئْتُهُ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأَعْطِنِي الْيَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أَنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَمَا أَحْزَنْتُهُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ أَيْ أَلْقَى الْبَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبَ، أَوْ أَلْقَاهُ يَعْقُوبُ عَلَى وَجْهِ نَفْسِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً الِارْتِدَادُ:
انْقِلَابُ الشَّيْءِ إِلَى حَالٍ قَدْ كَانَ عَلَيْهَا، وَالْمَعْنَى: عَادَ وَرَجَعَ إِلَى حَالَتِهِ الْأُولَى مِنْ صِحَّةِ بَصَرِهِ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ أَيْ قَالَ يَعْقُوبُ لِمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِهِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يوسف، ألم أقل لكم هذا القول
__________
(1) . «أود» : عوج.
(3/64)

فَقُلْتُمْ مَا قُلْتُمْ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ كَلَامًا مُبْتَدَأً لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ مَقُولَ الْقَوْلِ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ إِخْبَارَهُمْ بِمَا قَالَهُ لهم سابقا:
َّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
«1» . قالُوا يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، وَاعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ مِصْرَ وَوَصَلُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ، فَوَعَدَهُمْ بِمَا طلبوه منه وقالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي قَالَ الزَّجَّاجُ: أَرَادَ يَعْقُوبُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فِي وَقْتِ السَّحَرِ لِأَنَّهُ أَخْلَقُ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، لَا أَنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَقِيلَ: أَخَّرَهُ إِلَى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: أَخَّرَهُ إِلَى أَنْ يَسْتَحِلَّ لَهُمْ مِنْ يُوسُفَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُمْ، وَجُمْلَةُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ قَالَ: لَا تَعْيِيرَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ:
مَاذَا تَقُولُونَ؟ وَمَاذَا تَظُنُّونَ؟ فَقَالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عطاء الخراساني قَالَ: طَلَبُ الْحَوَائِجِ إِلَى الشَّبَابِ أَسْهَلُ مِنْهَا عِنْدَ الشُّيُوخِ أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْلِ يُوسُفَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي.
أَقُولُ: وَفِي هَذَا الْكَلَامِ نَظَرٌ فَإِنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْ يُوسُفَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِمْ: لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمْ صُدُورُ الْعَفْوِ مِنْهُ عَنْهُمْ، وَطَلَبُوا مِنْ أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهُمْ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبَيْنَ الْمَقَامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وَعْدُ يَعْقُوبَ لَهُمْ بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤَالِ اللَّهِ لَهُمْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا صَحَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ الْإِجَابَةِ فَإِنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهُمْ فِي الْحَالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالْقَبُولِ.
وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ إِخْوَةِ يُوسُفَ مَا كَانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إِلَى يُوسُفَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلَامٌ عَلَيْكَ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنَا أَسْبَابُ الْبَلَاءِ، كَانَ جَدِّي إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ فِي النَّارِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَمَرَ اللَّهُ جَدِّي أَنْ يَذْبَحَ لَهُ أَبِي فَفَدَاهُ اللَّهُ بِمَا فَدَاهُ، وَكَانَ لِيَ ابْنٌ وَكَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأَذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وَكَانَ لَهُ أَخٌ مِنْ أُمِّهِ كُنْتُ إِذَا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إِلَى صَدْرِي فَأَذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وَجْدِي، وَهُوَ الْمَحْبُوسُ عِنْدَكَ فِي السَّرِقَةِ، وَإِنِّي أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَسْرِقْ، وَلَمْ أَلِدْ سَارِقًا فَلَمَّا قَرَأَ يُوسُفُ الْكِتَابَ بَكَى وَصَاحَ وَقَالَ:
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) . يوسف: 86.
(3/65)

قَالَ فِي قَوْلِهِ: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا: «أَنَّ نمروذ لَمَّا أَلْقَى إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ نَزَلَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَطَنْفَسَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَلْبَسَهُ الْقَمِيصَ وَأَقْعَدَهُ عَلَى الطَّنْفَسَةِ، وَقَعَدَ مَعَهُ يتحدّث، فأوحى الله إلى النار في قوله: كُونِي بَرْداً وَسَلاماً. وَلَوْلَا أَنَّهُ قَالَ وَسَلَامًا لَأَذَاهُ الْبَرْدُ» . وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «أَنَّ اللَّهَ كَسَا إِبْرَاهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَكَسَاهُ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ، وَكَسَاهُ إِسْحَاقُ يَعْقُوبَ، فَأَخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ فِي قَصَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ وَعَلَّقَهُ فِي عُنُقِ يُوسُفَ، وَلَوْ عَلِمَ إِخْوَتُهُ إِذْ أَلْقَوْهُ فِي الْجُبِّ لَأَخَذُوهُ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلَى يَعْقُوبَ كَانَ بَيْنَ رُؤْيَاهُ وَتَعْبِيرِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً أَمَرَ الْبَشِيرَ أَنْ يُبَشِّرَهُ مِنْ ثَمَانِ مَرَاحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ، فَلَمَّا أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا، وَلَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى عَاهَةٍ مِنْ عَاهَاتِ الدُّنْيَا إِلَّا أَبْرَأَهَا بِإِذْنِ اللَّهِ» .
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ: لَمَّا خَرَجَتِ الْعِيرُ هَاجَتِ الرِّيحُ، فَجَاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ تُسَفِّهُونِ، فَوَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَالَ: وَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: وَجَدَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أَيْضًا: لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ قَالَ: تُجَهِّلُونِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أَيْضًا، قَالَ: تُكَذِّبُونِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الرَّبِيعِ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُحَمِّقُونِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ يَقُولُ: خَطَئِكَ الْقَدِيمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: جُنُونِكَ الْقَدِيمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:
حُبِّكِ الْقَدِيمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْبَشِيرُ الْبَرِيدُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: الْبَشِيرُ هُوَ يَهُوذَا بْنُ يَعْقُوبَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى يَعْقُوبَ فَأَلْقَى عَلَيْهِ الْقَمِيصَ قَالَ: عَلَى أَيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي قَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السَّحَرِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قَالَ: أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ لِأَنَّ دُعَاءَ السَّحَرِ مُسْتَجَابٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أَخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» يَقُولُ: حَتَّى تأتي ليلة الجمعة.
(3/66)

فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99)

الترجمات

PICKTHAL He said: Know ye what ye did unto Joseph and his brother in your ignorance?
YUSUFALI He said: "Know ye how ye dealt with Joseph and his brother; not knowing (what ye were doing)?"
SHAKIR He said: Do you know how you treated Yusuf and his brother when you were ignorant?
Haroon89. He said: "Know ye how ye dealt with Joseph and his brother; not knowing (what ye were doing)?"
Turky89 O dedi ki: "Siz cahilliginizde Yusuf'a ve kardesine ne yaptiginizi biliyor musunuz?"
قالَ : الجملة مستأنفة
هَلْ : حرف استفهام
عَلِمْتُمْ : ماض وفاعله والجملة مقول القول
ما : موصولية في محل نصب مفعول به
فَعَلْتُمْ : ماض وفاعله والجملة صلة لا محل لها
بِيُوسُفَ : متعلقان بفعلتم ويوسف ممنوع من الصرف منصوب لفظا مجرور محلا
وَأَخِيهِ : معطوف على يوسف مجرور مثله بالياء لأنه من الأسماء الخمسة والهاء مضاف إليه
إِذْ : ظرف زمان متعلق بفعلتم
أَنْتُمْ جاهِلُونَ : مبتدأ وخبر والجملة في محل جر مضاف إليه. ٠٤
الحكم الكلمة من إلى
المدود - المد الطبيعي قال 1 1
اللام - إظهار هل 2 2
الميم الساكنة - إظهار شفوي علمتم 3 3
الميم الساكنة - إدغام متماثل علمتم ما 3 4
الميم الساكنة - إخفاء شفوي فعلتم بيوسف 5 6
المدود - المد الطبيعي بيوسف 6 6
المدود - المد الطبيعي وأخيه 7 7
المدود - مد الصلة الكبرى وأخيه إذ 7 8
المدود - مد الصلة الصغرى وأخيه إذ 7 8
النون الساكنة والتنوين - إخفاء أنتم 9 9
الميم الساكنة - إظهار شفوي أنتم جاهلون 9 10
اللام - إظهار جاهلون 10 10
المدود - المد الطبيعي جاهلون 10 10