سورة الأنفَال / الآية 15

رقم عام 1175
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ١٥
#الكلمةالمفردةالجذرالوزنسابقةلاحقة
1يَايا
2أَيُّهَاأيها
3الَّذِينَالذين
4آَمَنُواآمنأمنفاعلوا
5إِذَا
6لَقِيتُمُلقيلقيفعلتم
7الَّذِينَالذين
8كَفَرُواكفركفرفعلوا
9زَحْفًازحفزحففعل
10فَلَالاف
11تُوَلُّوهُمُتولوليتفعو هم
12الْأَدْبَارَأدباردبرأفعالال

التفسير

[سورة الأنفال (8) : الآيات 15 الى 18]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (18)
الزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَأَصْلُهُ: الِانْدِفَاعُ عَلَى الْإِلْيَةِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مَاشٍ فِي الْحَرْبِ إِلَى آخَرَ: زَاحِفًا، وَالتَّزَاحُفُ: التَّدَانِي وَالتَّقَارُبُ، تَقُولُ: زَحَفَ إِلَى الْعَدُوِّ زَحْفًا، وَازْدَحَفَ الْقَوْمُ: أَيْ مَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَانْتِصَابُ زَحْفًا: إِمَّا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ تَزْحَفُونَ زَحْفًا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ: حَالَ كَوْنِكُمْ زَاحِفِينَ إِلَى الْكُفَّارِ، أَوْ حَالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أَيْ حَالَ كَوْنِ الْكُفَّارِ زَاحِفِينَ إِلَيْكُمْ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ أَيْ مُتَزَاحِفَيْنِ فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْهَزِمُوا عَنِ الْكُفَّارِ إِذَا لَقُوهُمْ وَقَدْ دَبَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ لِلْقِتَالِ، فَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْعُمُومُ لِكُلِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ زَمَنٍ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا حَالَةَ التَّحَرُّفِ وَالتَّحَيُّزِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي نَضْرَةَ وَعِكْرِمَةَ وَنَافِعٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَالضَّحَّاكِ: أَنَّ تَحْرِيمَ الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مختصّ بيوم
(2/335)

بَدْرٍ، وَأَنَّ أَهْلَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَنْحَازُوا، وَلَوِ انْحَازُوا لَانْحَازُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَهُمْ وَلَا لَهُمْ فِئَةٌ إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا بَعْدُ ذَلِكَ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ فِئَةٌ لِبَعْضٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالُوا:
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فَإِنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى يَوْمِ بَدْرٍ وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الضَّعْفِ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ عَامَّةٌ غَيْرُ خَاصَّةٍ، وَأَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ فِي يَوْمِ بَدْرٍ. وَأُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الْأَوَّلِينَ: بِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي يَوْمَئِذٍ إِلَى يَوْمِ بَدْرٍ: بِأَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى يَوْمِ الزَّحْفِ كَمَا يُفِيدُهُ السِّيَاقُ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَآيَةِ الضَّعْفِ، بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِهَا، فَيَكُونُ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ مُحَرَّمًا بِشَرْطِ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي آيَةِ الضَّعْفِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ بَدْرٍ مُسْلِمُونَ غَيْرَ مِنْ حَضَرَهَا، فَقَدْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ إِذْ ذَاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخُرُوجِ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ خَرَجَ مَعَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا وُرُودُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ مِنْ جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ، كَمَا فِي حَدِيثِ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، وَفِيهِ: وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا الْبَحْثُ تَطُولُ ذُيُولُهُ وَتَتَشَعَّبُ طُرُقُهُ، وَهُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوَاطِنِهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْأَدْبَارُ: جَمْعُ دُبُرٍ، وَالْعِبَارَةُ بِالدُّبُرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، مُتَمَكِّنَةٌ فِي الْفَصَاحَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الشَّنَاعَةِ عَلَى الْفَارِّ وَالذَّمِّ لَهُ، قَوْلُهُ: إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ التَّحَرُّفُ: الزَّوَالُ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِوَاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: التَّحَرُّفُ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ فِي الْمَعْرَكَةِ طَلَبًا لمكايد الحرب وخدعا لِلْعَدُوِّ، وَكَمَنَ يُوهِمُ أَنَّهُ مُنْهَزِمٌ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ فَيَكِرَّ عَلَيْهِ وَيَتَمَكَّنَ مِنْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَكَائِدِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ.
قَوْلُهُ: أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ أَيْ: إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرِ الْجَمَاعَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْعَدُوِّ، وَانْتِصَابُ مُتَحَرِّفًا ومتحيزا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْمُوَلِّينَ، أَيْ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ دُبُرَهُ إِلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ مُتَحَرِّفًا أَوْ مُتَحَيِّزًا، وَيَجُوزُ انْتِصَابُهُمَا عَلَى الْحَالِ، وَيَكُونُ حَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ لَغْوًا لَا عَمَلَ لَهُ، وَجُمْلَةُ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ جَزَاءٌ لِلشَّرْطِ.
وَالْمَعْنَى: مَنْ يَنْهَزِمُ وَيَفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ فَقَدْ رَجَعَ بِغَضَبٍ كَائِنٍ مِنَ اللَّهِ إِلَّا الْمُتَحَرِّفَ وَالْمُتَحَيِّزَ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ أَيِ: الْمَكَانُ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ هُوَ النَّارُ: فَفِرَارُهُ أَوْقَعُهُ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ بَلَاءً مِمَّا فَرَّ مِنْهُ وَأَعْظَمُ عُقُوبَةً. وَالْمَأْوَى:
مَا يَأْوِي إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ يَفِرُّ عَنِ الزَّحْفِ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَةِ. قَوْلُهُ: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ، أَيْ: إِذَا عَرَفْتُمْ مَا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ إِمْدَادِهِ لَكُمْ بِالْمَلَائِكَةِ، وَإِيقَاعِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، بِمَا يَسَّرَهُ لَكُمْ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّصْرِ. قَوْلُهُ: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الرَّمْيِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: مَا كَانَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَإِنَّهُ رَمَى الْمُشْرِكِينَ بِقَبْضَةٍ مِنْ حَصْبَاءِ الْوَادِي فَأَصَابَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ: الرَّمْيَةُ الَّتِي رَمَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِالْحَرْبَةِ فِي عُنُقِهِ فَانْهَزَمَ وَمَاتَ مِنْهَا وَقِيلَ:
الْمُرَادُ بِهِ: السَّهْمُ الَّذِي رَمَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِصْنِ خَيْبَرَ، فَسَارَ فِي الْهَوَاءِ حَتَّى أَصَابَ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ ضَعِيفَةٌ، فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ وَقْعَةِ بِدْرٍ. وَأَيْضًا الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ السِّيَرِ
(2/336)

وَالْحَدِيثِ فِي قَتْلِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى صُورَةٍ غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَالصَّحِيحُ كَمَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّمْيِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ مَا كَانَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَصَابَتْ كُلَّ واحد منهم، ودخلت في عينيه ومنخريه وفمه. قَالَ ثَعْلَبٌ: الْمَعْنَى وَما رَمَيْتَ الْفَزَعَ وَالرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ إِذْ رَمَيْتَ بِالْحَصْبَاءِ فَانْهَزَمُوا وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أَيْ:
أَعَانَكَ وَأَظْفَرَكَ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رَمَى اللَّهُ لَكَ، أَيْ: أَعَانَكَ وَأَظْفَرَكَ وَصَنَعَ لَكَ. وَقَدْ حَكَى مِثْلَ هَذَا أَبُو عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُبَرِّدُ: الْمَعْنَى: وَما رَمَيْتَ بِقُوَّتِكَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّكَ بِقُوَّةِ اللَّهِ رَمَيْتَ وَقِيلَ الْمَعْنَى: إِنَّ تِلْكَ الرَّمْيَةَ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التُّرَابِ الَّتِي رَمَيْتَهَا لَمْ تَرْمِهَا أَنْتَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّكَ لَوْ رَمَيْتَهَا مَا بَلَغَ أَثَرُهَا إِلَّا مَا يَبْلُغُهُ رَمْيُ الْبَشَرِ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ رَمْيَةَ اللَّهِ حَيْثُ أَثَّرَتْ ذَلِكَ الْأَثَرَ الْعَظِيمَ، فَأَثْبَتَ الرَّمْيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ صُورَتَهَا وُجِدَتْ مِنْهُ، وَنَفَاهَا عَنْهُ لِأَنَّ أَثَرَهَا الَّذِي لَا يُطِيقُهُ الْبَشَرُ فِعْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَأَنَّ اللَّهَ فَاعِلُ الرَّمْيَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَكَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلًا، هَكَذَا فِي الْكَشَّافِ. قَوْلُهُ:
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً الْبَلَاءُ هَاهُنَا: النِّعْمَةُ وَالْمَعْنَى: وَلِيُنْعِمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِنْعَامًا جَمِيلًا، وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ: وَلِلْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ الْجَمِيلَةِ فَعَلَ ذَلِكَ لَا لِغَيْرِهِ، أَوِ الْوَاوُ عَاطِفَةٌ لِمَا بَعْدَهَا عَلَى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ قَبْلَهَا، أَيْ: وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى لِيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لِدُعَائِهِمْ عَلِيمٌ بِأَحْوَالِهِمْ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكُمْ، إِلَى الْبَلَاءِ الْحَسَنِ، وَهُوَ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ خَبْرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيِ: الْغَرَضُ ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ أَيْ: إِنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِمَا وَقَعَ مِمَّا حَكَتْهُ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ إِبْلَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَوْهِينُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ وَقِيلَ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ الْقَتْلُ وَالرَّمْيُ. وَقَدْ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِهَا مَعَ التَّنْوِينِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ مَعَ الْإِضَافَةِ. وَالْكَيْدُ: الْمَكْرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ نَافِعٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرٍ قَالَ: إِنَّا قَوْمٌ لَا نَثْبُتُ عِنْدَ قِتَالِ عَدُوِّنَا، وَلَا نَدْرِي مَنِ الْفِئَةُ، أَمَامَنَا أَوْ عَسْكَرُنَا؟ فَقَالَ لِي: الْفِئَةُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ قَالَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ بدر لا لقبلها ولا لبعدها. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ، وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ الْآيَةَ قَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ لِأَهْلِ بَدْرٍ خَاصَّةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ فَإِنَّمَا كَانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ خَاصَّةً مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَنْهَزِمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتْرُكُوهُ. وَقَدْ رُوِيَ اخْتِصَاصُ هَذِهِ الْآيَةِ بِأَهْلِ بَدْرٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَدْ قَدَّمَنَا الْإِشَارَةَ إِلَى ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ يَعْنِي مُسْتَطْرِدًا يُرِيدُ الْكَرَّةَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ يَعْنِي: أَوْ يَنْحَازُ إِلَى أَصْحَابِهِ مِنْ غَيْرِ هَزِيمَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ يَقُولُ: اسْتَوْجَبُوا سَخَطًا مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ فَهَذَا يَوْمَ بدر خاصّة،
(2/337)

كأن الله شدّد عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ لِيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ وَهُوَ أوّل قتال قاتلوا فيه الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أبي حاتم عن الضَّحَّاكِ قَالَ: الْمُتَحَرِّفُ: الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَرَى عَوْرَةً مِنَ الْعَدُوِّ فَيُصِيبُهَا. وَالْمُتَحَيِّزُ: الْفَارُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّ الْيَوْمَ إِلَى أَمِيرِهِ وَأَصْحَابِهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قَالَ:
هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْأَنْفَالِ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالنَّحَّاسُ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً، قُلْنَا: كَيْفَ نَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ وبؤنا بالغضب؟ فأتينا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَخَرَجَ فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ، فَقَالَ: لَا، بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ «1» ، فَقَبَّلْنَا يَدَهُ فَقَالَ: أَنَا فِئَتُكُمْ وَأَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَرَأَ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ. وَقَدْ رُوِيَ فِي تَحْرِيمِ الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ أَحَادِيثُ، وَوَرْدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابن عباس. وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر. وأخرجه ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وأبو الشيخ عن مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ قَالَ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ: هَذَا قَتَلْتُ، وَهَذَا قَتَلْتُ. وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ قَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَصَبَ الْكُفَّارَ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ قَالَ: رَمَاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِالْحَصْبَاءِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ سَمِعْنَا صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ كَأَنَّهُ صَوْتُ حَصَاةٍ وَقَعَتْ فِي طَسْتٍ، وَرَمَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِلْكَ الْحَصْبَاءِ وَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَانْهَزَمْنَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ صَوْتَ حَصَيَاتٍ وَقَعْنَ مِنَ السَّمَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ كَأَنَّهُنَّ وَقَعْنَ فِي طَسْتٍ، فَلَمَّا اصْطَفَّ النَّاسُ أَخَذَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَمَى بِهِنَّ فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ، فَانْهَزَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى. وأخرج الطبراني وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَعَلِيٍّ: نَاوِلْنِي قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءَ، فَنَاوَلَهُ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إلا امتلأت عيناه من الْحَصْبَاءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَخَذَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَرْكُضُ فَرَسُهُ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَرَضَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ لِيَقْتُلُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَأْخِرُوا، فَاسْتَأْخَرُوا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم حربته في يده
__________
(1) . قال في القاموس: العكّار: الكرار، العطّاف.
(2/338)

إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)
فَرَمَى بِهَا أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ وَكَسَرَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَرَجَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ إِلَى أَصْحَابِهِ ثَقِيلًا، فَاحْتَمَلُوهُ حِينَ وَلَّوْا قَافِلِينَ، فَطَفِقُوا يَقُولُونَ لَا بَأْسَ، فَقَالَ أُبَيٌّ حِينَ قَالُوا لَهُ ذَلِكَ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ بِالنَّاسِ لَقَتَلَتْهُمْ، أَلَمْ يَقُلْ إِنِّي أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَانْطَلَقَ بِهِ أَصْحَابُهُ يُنْعِشُونَهُ حَتَّى مَاتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَدَفَنُوهُ. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ:
وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَيْهِمَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ عَنْ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ غَرِيبٌ جِدًّا، وَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا أَنَّ الْآيَةَ تتناولهما بعمومها، وهكذا قال فيما قال عبد الرحمن ابن جُبَيْرٍ كَمَا سَيَأْتِي- وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ عبد الرحمن بن جبير: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ دَعَا بِقَوْسٍ فَرَمَى بها الحصن، فأقبل السهم يهوي حَتَّى قَتَلَ ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ فِي فِرَاشِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أَيْ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِرَمْيَتِكَ لَوْلَا الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ مِنْ نَصْرِكَ وَمَا أَلْقَى فِي صُدُورِ عَدُوِّكَ حَتَّى هَزَمَهُمْ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً أَيْ: لِيَعْرِفَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ فِي إِظْهَارِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، لِيَعْرِفُوا بذلك حقه، ويشركوا بذلك نعمته.

[سورة الأنفال (8) : آية 19]
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)
الِاسْتِفْتَاحُ: طَلَبُ النَّصْرِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُخَاطَبِينَ بِالْآيَةِ مَنْ هُمْ؟ فَقِيلَ: إِنَّهَا خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وَالْمَعْنَى: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ، وَقَدْ كَانُوا عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مَكَّةَ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَنْصُرَ أَحَقَّ الطَّائِفَتَيْنِ بِالنَّصْرِ فَتَهَكَّمَ اللَّهُ بِهِمْ، وَسَمَّى مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْهَلَاكِ نَصْرًا وَمَعْنَى بَقِيَّةِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ تَنْتَهُوا عَمَّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ فَهُوَ أَيِ: الِانْتِهَاءُ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةِ نَعُدْ بِتَسْلِيطِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكُمْ وَنَصْرِهِمْ كَمَا سَلَّطْنَاهُمْ وَنَصَرْنَاهُمْ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ أَيْ: جَمَاعَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ أَيْ:
لَا تُغْنِي عَنْكُمْ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَلَوْ فِي حَالِ كَثْرَتِهَا، ثُمَّ قَالَ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهُوَ الْمَنْصُورُ، وَمَنْ كان الله عليه فهو المخذول. وقرئ بِكَسْرِ إِنَّ وَفَتْحِهَا فَالْكَسْرُ: عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالْفَتْحُ عَلَى تَقْدِيرِ: وَلِأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فَعَلَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَعْنَى: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ فَقَدْ جَاءَكُمُ النَّصْرُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، وَإِنْ تَنْتَهُوا عَنْ مَثَلِ مَا فَعَلْتُمُوهُ مِنْ أَخْذِ الْغَنَائِمِ، وَفِدَاءِ الْأَسْرَى قَبْلَ الْإِذْنِ لَكُمْ بِذَلِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَعُودُوا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ، نَعُدْ إِلَى تَوْبِيخِكُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الْآيَةَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَأْبَى هَذَا الْقَوْلَ مَعْنَى وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَيَأْبَاهُ أَيْضًا وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ لا يمكن إلا بتكليف وَتَعَسُّفٍ، وَقِيلَ: إِنِ الْخِطَابَ فِي إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمَا بَعْدَهُ لِلْكَافِرِينَ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ تَفْكِيكِ النَّظْمِ، وُعُودِ الضَّمَائِرِ الْجَارِيَةِ
(2/339)

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)
فِي الْكَلَامِ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ إِلَى طَائِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ مَنْدَهْ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صَغِيرٍ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ حِينَ الْتَقَى الْقَوْمُ: اللَّهُمَّ! أَقْطَعَنَا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفُ فَأَحْنِهِ الْغَدَاةَ، فَكَانَ ذَلِكَ اسْتِفْتَاحًا مِنْهُ فَنَزَلَتْ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ انْصُرْ أَهْدَى الْفِئَتَيْنِ، وَأَفْضَلَ الْفِئَتَيْنِ، وَخَيْرَ الْفِئَتَيْنِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ، أَيْ: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْمَدَدُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ قَالَ: كُفَّارُ قُرَيْشٍ فِي قَوْلِهِمْ: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَفَتَحَ بَيْنَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا قَالَ: إِنْ تَسْتَقْضُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْقَضَاءُ فِي يَوْمَ بَدْرٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشيخ عن السدي في قَوْلِهِ وَإِنْ تَنْتَهُوا قَالَ: عَنْ قِتَالِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ قَالَ: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا الثَّانِيَةَ، أَفْتَحْ لِمُحَمَّدٍ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: مَعَ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتَادَةَ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ يَقُولُ: نَعُدْ لَكُمْ بِالْأَسْرِ وَالْقَتْلِ.

الترجمات

PICKTHAL O ye who believe! When ye meet those who disbelieve in battle; turn not your backs to them.
YUSUFALI O ye who believe! when ye meet the Unbelievers in hostile array; never turn your backs to them.
SHAKIR O you who believe! when you meet those who disbelieve marching for war; then turn not your backs to them.
Haroon15. O ye who believe! when ye meet the Unbelievers in hostile array; never turn your backs to them.
Turky15 Ey iman edenler! Toplu olarak k?firlerle karsilastiginiz zaman; onlara arkalarinizi d?nmeyin (ka?mayin).
يا أَيُّهَا : منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب وها للتنبية.
الَّذِينَ : اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدل.
آمَنُوا : فعل ماض وفاعل والجملة صلة الموصول.
إِذا : ظرفية شرطية غير جازمة ٢١
لَقِيتُمُ : فعل ماض وفاعل والميم للجمع واسم الموصول مفعول به وجملة (كفروا صلة.
زَحْفاً : حال.
فَلا : لا ناهية جازمة والفاء رابطة لجواب الشرط.
تُوَلُّوهُمُ : مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعله والهاء مفعوله الأول.
الْأَدْبارَ : مفعوله الثاني. والجملة لا محل لها جواب شرط غير جازم.
الحكم الكلمة من إلى
المدود - الجائز المنفصل يا أيها 1 2
المدود - المد الطبيعي الذين 3 3
المدود - مد البدل آمنوا 4 4
اللام - إظهار إذا لقيتم 5 6
المدود - المد الطبيعي لقيتم 6 6
الراء - تفخيم كفروا 8 8
اللام - إظهار فلا 10 10
المدود - المد الطبيعي تولوهم 11 11
القلقلة - قلقلة صغرى الأدبار 12 12
الراء - تفخيم الأدبار 12 12
المدود - المد الطبيعي الأدبار 12 12