سورة الأعرَاف / الآية 148

رقم عام 1102
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ١٤٨
#الكلمةالمفردةالجذرالوزنسابقةلاحقة
1وَاتَّخَذَاتخذأخذإفتعلو
2قَوْمُقومقومفعل
3مُوسَىموسىموسى
4مِنْمن
5بَعْدِهِبعدبعدفعله
6مِنْمن
7حُلِيِّهِمْحليحليفعلهم
8عِجْلًاعجلعجلفعل
9جَسَدًاجسدجسدفعل
10لَهُله
11خُوَارٌخوارخورفعال
12أَلَمْلمولمعلأ
13يَرَوْايرىرأييفعلوا
14أَنَّهُإنه
15لَا
16يُكَلِّمُهُمْيكلمكلميفعلهم
17وَلَالاو
18يَهْدِيهِمْيهديهدييفعلهم
19سَبِيلًاسيبلاسبلفعيل
20اتَّخَذُوهُاتخذأخذإفتعلو ه
21وَكَانُواكانكونفعلووا
22ظَالِمِينَظالمظلمفاعلين

التفسير

[سورة الأعراف (7) : الآيات 148 الى 151]
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)
(2/281)

قَوْلُهُ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ أَيْ: مِنْ بَعْدِ خُرُوجِهِ إِلَى الطُّورِ مِنْ حُلِيِّهِمْ متعلّق ب:
اتّخذ أَوْ بِمَحْذُوفٍ وَقَعَ حَالًا، وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ، أَوْ لِلِابْتِدَاءِ، أَوْ لِلْبَيَانِ، وَالْحُلِيُّ: جَمْعُ حَلْيٍ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ مِنْ حُلِيِّهِمْ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَّا عَاصِمًا بِكَسْرِ الْحَاءِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وتخفيف الياء، قال النحاس: جمع حلي وحلي وحلي مثل ثدي وثدي وَثِدِيٌّ، وَالْأَصْلُ حَلْوِي أُدْغِمَتِ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ فَانْكَسَرَتِ اللَّامُ لِمُجَاوَرَتِهَا الْيَاءَ وَتُكْسَرُ الْحَاءُ لِكَسْرَةِ اللَّامِ وَضَمُّهَا عَلَى الْأَصْلِ، وَأُضِيفَتْ الْحُلِيُّ إِلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِمْ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَجُوزُ لِأَدْنَى ملابسة، وعِجْلًا مَفْعُولُ اتَّخَذَ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ثَانِيهِمَا مَحْذُوفٌ، أَيِ: اتَّخَذُوا عِجْلًا إلها، وجَسَداً بَدَلٌ مِنْ عِجْلًا، وَقِيلَ:
وَصْفٌ لَهُ، وَالْخُوَارُ: الصياح يقال: خار يخور خوارا إذا صاح، وكذلك جأر يجأر جؤارا. وَنُسِبَ اتِّخَاذُ الْعِجْلِ إِلَى الْقَوْمِ جَمِيعًا مَعَ أَنَّهُ اتَّخَذَهُ السَّامِرِيُّ وَحْدَهُ لِكَوْنِهِ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَهُمْ رَاضُونَ بِفِعْلِهِ. رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا وَعَدَ مُوسَى قَوْمَهُ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ فِي الْعَشْرِ الْمَزِيدَةِ، قَالَ السَّامِرِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ:
إِنَّ مَعَكُمْ حُلِيًّا مِنْ حُلِيٍّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمُوهُ مِنْهُمْ لِتَتَزَيَّنُوا بِهِ فِي الْعِيدِ وَخَرَجْتُمْ وَهُوَ مَعَكُمْ، وَقَدْ أَغْرَقَ اللَّهُ أَهْلَهُ مِنَ الْقِبْطِ فَهَاتُوهَا، فَدَفَعُوهَا إِلَيْهِ فَاتَّخَذَ مِنْهَا الْعِجْلَ الْمَذْكُورَ. قَوْلُهُ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيْ: أَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِأَنَّ هَذَا الَّذِي اتَّخَذُوهُ إِلَهًا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَكْلِيمِهِمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى جَلْبِ نَفْعٍ لَهُمْ، أَوْ دَفْعِ ضرّ عنهم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أَيْ: طَرِيقًا وَاضِحَةً يَسْلُكُونَهَا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ أَيِ: اتَّخَذُوهُ إِلَهًا وَكانُوا ظالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ فِي اتِّخَاذِهِ أَوْ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: هَذَا الِاتِّخَاذُ. قَوْلُهُ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أَيْ: نَدِمُوا وَتَحَيَّرُوا بَعْدَ عَوْدِ مُوسَى مِنَ الْمِيقَاتِ يُقَالُ لِلنَّادِمِ الْمُتَحَيِّرِ: قَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: يُقَالُ سُقِطَ فِي يَدِهِ وَأُسْقِطَ، وَمَنْ قَالَ: سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ: سَقَطَ النَّدَمُ، وَأَصْلُهُ أَنَّ مِنْ شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ وَحَسْرَتُهُ أَنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيهَا، لِأَنَّ فَاهُ قَدْ وَقَعَ فِيهَا. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالزَّجَّاجُ وَالنَّحَّاسُ وَغَيْرُهُمْ: مَعْنَى سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ: أَيْ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، كَمَا يُقَالُ: حَصَلَ فِي يَدِهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ مُحَالًا أَنْ يَكُونَ فِي الْيَدِ، تَشْبِيهًا لِمَا يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ وَالنَّفْسِ بِمَا يَحْصُلُ فِي الْيَدِ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَشْيَاءِ فِي الْغَالِبِ بِالْيَدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَيْضًا النَّدَمُ وَإِنْ حَلَّ الْقَلْبَ فَأَثَرُهُ يَظْهَرُ فِي الْبَدَنِ، لِأَنَّ النَّادِمَ يَعَضُّ يَدَهُ وَيَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى مَا أَنْفَقَ فِيها «1» ومنه وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ «2» أَيْ: مِنَ النَّدَمِ، وَأَيْضًا: النَّادِمُ يَضَعُ ذَقَنَهُ فِي يَدِهِ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا مَعْطُوفٌ عَلَى سُقِطَ، أَيْ: تَبَيَّنُوا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا بِاتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ وَأَنَّهُمْ قَدِ ابْتُلُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْفَوْقِيَّةِ فِي الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، وَاللَّامُ لِلْقَسَمِ، وَجَوَابُهُ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُمْ مَا يُفِيدُ الِاسْتِغَاثَةَ بِاللَّهِ وَالتَّضَرُّعَ وَالِابْتِهَالَ فِي السُّؤَالِ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ طه إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الْمَحْكِيَّ عَنْهُمْ هُنَا وَقَعَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسَى، وَإِنَّمَا قَدَّمَ هُنَا عَلَى رُجُوعِهِ لِقَصْدِ حِكَايَةِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً
__________
(1) . الكهف: 42.
(2) . الفرقان: 27.
(2/282)

هَذَا بَيَانٌ لِمَا وَقَعَ مِنْ مُوسَى بَعْدَ رُجُوعِهِ، وَانْتِصَابُ غَضْبَانَ وَأَسِفًا: عَلَى الْحَالِ، وَالْأَسِفُ: شَدِيدُ الْغَضَبِ. قِيلَ: هُوَ مَنْزِلَةٌ وَرَاءَ الْغَضَبِ أَشَدُّ مِنْهُ، وَهُوَ أَسِفٌ وَأَسِيفٌ وَأَسْفَانُ وَأَسُوفٌ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: أَخْبَرَهُ اللَّهُ قَبْلَ رُجُوعِهِ بِأَنَّهُمْ قَدْ فُتِنُوا، فَلِذَلِكَ رَجَعَ وَهُوَ غضبان أسفا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي هَذَا ذَمٌّ مِنْ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَيْ: بِئْسَ الْعَمَلُ مَا عَمِلْتُمُوهُ مِنْ بَعْدِي أَيْ: مِنْ بَعْدِ غَيْبَتِي عَنْكُمْ، يُقَالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ وَخَلَفَهُ بِشَرٍّ، اسْتَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَا فَعَلُوهُ وَذَمَّهُمْ لِكَوْنِهِمْ قَدْ شَاهَدُوا مِنَ الْآيَاتِ مَا يُوجِبُ بَعْضُهُ الِانْزِجَارَ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّ هَذَا شَأْنُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَلَوُّنِ حَالِهِمْ وَاضْطِرَابِ أَفْعَالِهِمْ، ثُمَّ قَالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَالْعَجَلَةُ: التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِهِ، يُقَالُ: عَجِلْتُ الشَّيْءَ: سَبَقْتُهُ، وَأَعْجَلْتُ الرَّجُلَ حَمَلْتُهُ عَلَى الْعَجَلَةِ، وَالْمَعْنَى: أَعْجِلْتُمْ عَنِ انْتِظَارِ أَمْرِ رَبِّكُمْ: أَيْ مِيعَادِهِ الَّذِي وَعَدَنِيهِ، وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ فَفَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: تَعَجَّلْتُمْ سُخْطَ رَبِّكُمْ وَقِيلَ معناه: أعجلتم بعبادة العجل أَنْ يَأْتِيَكُمْ أَمْرُ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ أَيْ: طَرَحَهَا لِمَا اعْتَرَاهُ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ وَالْأَسَفِ حِينَ أَشْرَفَ عَلَى قَوْمِهِ وَهُمْ عَاكِفُونَ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ. قَوْلُهُ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ أَيْ: أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ هَارُونَ أَوْ بِشَعْرِ رَأْسِهِ حَالَ كَوْنِهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى السَّامِرِيِّ وَلَا غَيْرِهِ مَا رَآهُ مِنْ عِبَادَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِلْعِجْلِ فَقَالَ هَارُونُ مُعْتَذِرًا مِنْهُ: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي أَيْ: إِنِّي لَمْ أُطِقْ تَغْيِيرَ مَا فَعَلُوهُ لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: اسْتِضْعَافُهُمْ لِي، وَمُقَارَبَتُهُمْ لِقَتْلِي، وَإِنَّمَا قَالَ ابْنَ أُمَّ مَعَ كَوْنِهِ أَخَاهُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، لِأَنَّهَا كَلِمَةُ لِينٍ وَعَطْفٍ، وَلِأَنَّهَا كَانَتْ كَمَا قِيلَ مُؤْمِنَةً. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: قِيلَ كَانَ هَارُونُ أَخَا مُوسَى لِأُمِّهِ لَا لِأَبِيهِ. قُرِئَ ابْنَ أُمَّ بِفَتْحِ الْمِيمِ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، فَصَارَ كَقَوْلِكَ يَا خَمْسَةَ عَشَرَ أَقْبِلُوا. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَاَبُو عُبَيْدٍ:
إِنَّ الْفَتْحَ على تقدير يا ابن أمّ، وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ، لِأَنَّ الْأَلِفَ خَفِيفَةٌ لَا تُحْذَفُ، وَلَكِنَّ جَعْلَ الِاسْمَيْنِ اسْمًا وَاحِدًا كَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ وَالنَّحَّاسُ. وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ الْمِيمِ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ ابْنَ أُمِّي، ثُمَّ حُذِفَتِ الْيَاءُ وَأُبْقِيَتِ الْكَسْرَةُ لِتَدُلَّ عَلَيْهَا. وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَأَبُو حَاتِمٍ: ابْنَ أُمِّ بِالْكَسْرِ، كَمَا تَقُولُ يَا غُلَامِ أَقْبِلْ، وَهِيَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ وَالْقِرَاءَةُ بِهَا بَعِيدَةٌ، وَإِنَّمَا هَذَا فِيمَا يَكُونُ مُضَافًا إِلَيْكَ. وَقُرِئَ ابْنَ أُمِّي بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ. قَوْلُهُ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ الشَّمَاتَةُ: السُّرُورُ مِنَ الْأَعْدَاءِ بِمَا يُصِيبُ مَنْ يُعَادُونَهُ مِنَ الْمَصَائِبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ، وَجَهْدِ الْبَلَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِذَا مَا الدَّهْرُ جَرَّ عَلَى أُنَاسٍ ... كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا
فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا ... سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا
وَالْمَعْنَى: لَا تَفْعَلْ بِي مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّمَاتَةِ مِنْهُمْ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ «فَلَا تَشْمَتْ بِيَ الْأَعْدَاءُ» بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَرَفْعِ الْأَعْدَاءِ، عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَيْهِمْ، أَيْ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِفِعْلٍ تَفْعَلُهُ بِي. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَ (تُشْمِتْ) كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مَعَ نَصْبِ الْأَعْدَاءِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَالْمَعْنَى فَلَا تَشْمَتْ بِي أَنْتَ يَا رَبِّ! وَجَازَ هَذَا كَمَا فِي قَوْلِهِ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمُرَادِ فَأَضْمَرَ فِعْلًا
(2/283)

إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)
نَصَبَ بِهِ الْأَعْدَاءَ كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا تُشْمِتْ يَا رَبِّ بِيَ الْأَعْدَاءَ، وَمَا أَبْعَدَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ عَنِ الصَّوَابِ، وَأَبْعَدَ تَأْوِيلَهَا عَنْ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ. قَوْلُهُ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أَيْ: لَا تَجْعَلْنِي بِغَضَبِكَ عَلَيَّ فِي عِدَادِ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يَعْنِي: الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ أَوْ لَا تَعْتَقِدْ أَنِّي مِنْهُمْ. قَوْلُهُ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي هَذَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَاذَا قَالَ مُوسَى بَعْدَ كَلَامِ هَارُونَ هَذَا؟ فَقِيلَ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي طَلَبَ الْمَغْفِرَةَ لَهُ أَوَّلًا، وَلِأَخِيهِ ثَانِيًا لِيُزِيلَ عَنْ أَخِيهِ مَا خَافَهُ مِنَ الشَّمَاتَةِ، فَكَأَنَّهُ تَذَمَّمَ مِمَّا فَعَلَهُ بِأَخِيهِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ، وَطَلَبَ الْمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ مِمَّا فَرَطَ مِنْهُ فِي جَانِبِهِ، ثُمَّ طَلَبَ الْمَغْفِرَةَ لِأَخِيهِ إِنْ كَانَ قَدْ وقع منه تقصير فيما يجب عليهم مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ وَتَغْيِيرِ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ، ثُمَّ طَلَبَ إِدْخَالَهُ وَإِدْخَالَ أَخِيهِ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى الْآيَةَ، قَالَ: حِينَ دَفَنُوهَا أَلْقَى عَلَيْهَا السَّامِرِيُّ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: اسْتَعَارُوا حُلِيًّا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، فَجَمَعَهُ السَّامِرِيُّ فَصَاغَ مِنْهُ عِجْلًا فَجَعَلَهُ جَسَداً لَحْمًا وَدَمًا لَهُ خُوارٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ خُوارٌ قَالَ: الصَّوْتُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: خَارَ الْعِجْلُ خورة لم يثن أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ قَالَ: نَدِمُوا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَسِفاً قَالَ: حَزِينًا. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: الْأَسَفُ: مَنْزِلَةٌ وَرَاءَ الْغَضَبِ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: الْأَسَفُ: الْغَضَبُ الشَّدِيدُ. وَأَخْرَجَ اَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَلْقَى مُوسَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ فَرُفِعَتْ إِلَّا سُدُسَهَا. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَالَ: رَفَعَ اللَّهُ مِنْهَا سِتَّةَ أَسْبَاعِهَا وَبَقِيَ سُبُعٌ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ:
لَمَّا أَلْقَاهَا مُوسَى ذَهَبَ التَّفْصِيلُ وَبَقِيَ الْهُدَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: كانت تسع رُفِعَ مِنْهَا لَوْحَانِ وَبَقِيَ سَبْعَةٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ: مَعَ أصحاب العجل.

الترجمات

PICKTHAL And the folk of Moses; after (he left them); chose a calf (for worship); (made) out of their ornaments; of saffron hue; which gave a lowing sound. Saw they not that it spake not unto them nor guided them to any way? They chose it; and became wrong-doers.
YUSUFALI The people of Moses made; in his absence; out of their ornaments; the image of calf; (for worship): it seemed to low: did they not see that it could neither speak to them; nor show them the way? They took it for worship and they did wrong.
SHAKIR And Musa's people made of their ornaments a calf after him; a (mere) body; which gave a mooing sound. What! could they not see that it did not speak to them nor guide them m the way? They took it (for worship) and they were unjust.
Haroon148. The people of Moses made; in his absence; out of their ornaments; the image of calf; (for worship): it seemed to low: did they not see that it could neither speak to them; nor show them the way? They took it for worship and they did wrong.
Turky148 Musa'nin arkasindan kavmi; tutmus s?s takilarindan b?g?ren bir buzagi heykeli edinmislerdi. O buzaginin kendilerine bir s?z s?ylemedigini ve bir yol g?steremedigini g?rmemisler miydi? Fakat yine de onu tanri edindiler ve zalimlerden oldular.
وَاتَّخَذَ قَوْمُ : فعل ماض وفاعل٫
مُوسى : مضاف إليه٫
مِنْ بَعْدِهِ : متعلقان باتخذ ، والجملة مستأنفة٫
مِنْ حُلِيِّهِمْ : متعلقان بالفعل٫
عِجْلًا : مفعول به٫
جَسَداً : بدل منصوب٫
لَهُ : متعلقان بمحذوف خبر مقدم
خُوارٌ : مبتدأ ، والجملة الاسمية في محل نصب صفة جسدا٫
أَلَمْ يَرَوْا : الهمزة للاستفهام لم حرف جازم يروا مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون ، والواو فاعل والجملة مستأنفة٫
أَنَّهُ : أن والهاء اسمها٫
لا يُكَلِّمُهُمْ : فعل مضارع فاعله هو والهاء مفعوله والميم لجمع الذكور ، ولا نافية والجملة في محل رفع خبر أن ، وأن وما بعدها سد مسد مفعولي يروا٫
وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا : فعل مضارع ومفعولاه ، ولا نافية ، والجملة معطوفة٫
اتَّخَذُوهُ : فعل ماض مبني على الضم وفاعله ومفعوله والجملة مستأنفة ، وجملة كانوا ظالمين معطوفة.
الحكم الكلمة من إلى
المدود - المد الطبيعي واتخذ 1 1
المدود - اللازم الكلمي المثقل واتخذ 1 1
المدود - مد اللين قوم 2 2
المدود - المد الطبيعي موسى 3 3
النون الساكنة والتنوين - إقلاب من بعده 4 5
المدود - مد الصلة الصغرى بعده من 5 6
النون الساكنة والتنوين - إظهار من حليهم 6 7
المدود - مد اللين حليهم 7 7
الميم الساكنة - إظهار شفوي حليهم عجلا 7 8
القلقلة - قلقلة صغرى عجلا 8 8
اللام - إظهار جسدا له 9 10
المدود - مد الصلة الصغرى له خوار 10 11
المدود - المد الطبيعي خوار 11 11
اللام - إظهار ألم 12 12
الميم الساكنة - إظهار شفوي ألم يروا 12 13
الراء - تفخيم يروا 13 13
الميم الساكنة - إظهار شفوي يكلمهم ولا 16 17
المدود - المد الطبيعي يهديهم 18 18
الميم الساكنة - إظهار شفوي يهديهم سبيلا 18 19
المدود - المد الطبيعي سبيلا 19 19
المدود - المد الطبيعي اتخذوه 20 20
المدود - المد الطبيعي وكانوا 21 21
المدود - المد الطبيعي ظالمين 22 22